«بحيرة قارون» تتنفس درس بيئى اقتصادى.. يؤكد انتصار العلم على الإهمال

بحيرة قارون
بحيرة قارون


«بحيرة قارون» اسم يحمل فى ذاكرة أهل الفيوم عبق الأساطير القديمة وصخب الحياة البسيطة، كانت البحيرة يوماً لؤلؤة زرقاء تتلألأ تحت شمس المحافظة، مرآة واسعة للسماء، وموطناً لعشرات الأنواع من الأسماك والطيور.

هذه البحيرة تحولت خلال العقد الأخير، إلى جرح بيئى مفتوح، المياه العذبة ذهبت، والملوحة زادت حتى أصبحت قريبة من ماء البحر، الروائح الكريهة زحفت إلى الشواطئ، والأسماك اختفت شيئاً فشيئاً حتى صار الصيادون يعودون من رحلاتهم بلا رزق سوى الحسرات.
ثم جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، لتعيد الحياة إلى البحيرات المصرية، ومنها: بحيرة قارون، بعد سنوات من التدهور البيئى والاقتصادى. انطلقت خطة شاملة لمواجهة أسباب التلوث، واستعادة المخزون السمكى، وإعادة التوازن البيئى، لتبدأ البحيرة رحلة العودة إلى مجدها القديم.
على الشاطئ الشرقى، حيث كانت القوارب ذات الألوان الزاهية تصطف قبل الفجر، أصبح المشهد قبل عامين صامتاً كمدينة مهجورة كئيبة، المراكب مربوطة، الشباك جافة، والعيون قلقة.
صباح العاشر من نوفمبر 2024، كسر هذا الصمت.. كان الجو دافئاً، والشمس تلمس صفحة الماء بنعومة، وعلى الشاطئ بدأ الناس يتجمعون. صيادون يجرون قواربهم، تجار يحملون صناديق الثلج، ومسئولون من المحافظة يقفون يتابعون المشهد.
 إنه اليوم الذى انتظره الجميع، عودة الصيد من بحيرة قارون، وإقامة أول مزاد علنى لأسماكها منذ 9 سنوات.
د. أحمد الأنصارى، محافظ الفيوم، كان وسط الزحام، نزل إلى القوارب، صافح الصيادين، وتبادل معهم الحديث، قال بصوت فيه مزيج من الفخر والمسئولية: «كان واضحاً أن بحيرة قارون تحتاج تدخلاً عاجلاً، اشتغلنا على كل الجهات، معالجة التلوث وخفض الملوحة وإعادة التوازن البيئى ودعم الصيادين». 
رحلة الإنقاذ بدأت بخطوة صعبة، قرار حظر الصيد لمدة شهرين، كان كابوساً للصيادين الذين يعيشون يوماً بيوم، يروى حسن على، صياد فى الثلاثين من عمره قائلاً: «فى الأول لم نصدق أبداً، قولنا كيف سنعيش بدون صيد، لكن المحافظ وعدنا أن النتيجة ستفرحنا، وفعلاً اليوم نرى الفارق».
فى تلك الفترة، كانت البحيرة مسرحاً لعمل غير مسبوق، فرق من المهندسين والعمال شيدت 24 محطة معالجة للصرف الصحى، بتمويلاتٍ متنوعة من الاتحاد الأوروبى ومبادرة «حياة كريمة»، إلى جانب مشروعات تستهدف القرى الأكثر احتياجاً.. الهدف كان واضحاً وقف تدفق مياه الصرف غير المُعالجة إلى البحيرة، وتحسين جودة المياه لتصل إلى المستوى الذى يسمح للحياة المائية بالعودة.
المحافظ يشرح قائلاً: «محطات المعالجة هى العمود الفقرى لإنقاذ البحيرة، معظمها سيدخل الخدمة من 2025 والباقى خلال 2028 لن نسمح أبداً بأن يعود الوضع مثلما كان».
لكن إصلاح الماء وحده لا يكفى، هنا جاء دور العلماء بقيادة د. نسرين عز الدين، أستاذة علوم البحار، التى عملت مع فريقها على إنزال أكثر من 6 ملايين وحدة زريعة جمبرى على دفعات، إضافة إلى أمهات أسماك الموسى المُستقدمة من بحيرة البردويل.. نسرين تشرح وهى تشير إلى القوارب الصغيرة المُحملة بالزريعة: «البحيرة كانت شبه ميتة بيولوجياً، إعادة هذه الأنواع هيرجع المخزون السمكى، لكن كمان سيعيد التوازن الطبيعى بين الكائنات التى عاشت هنا لآلاف السنين».
الإجراءات لم تتوقف عند البيئة فقط، بل إن المحافظة قررت إعفاء الصيادين من رسوم الـ 5٪ التى كانت تفرضها جمعية تنمية الثروة السمكية، وهو قرار استقبله الصيادون بارتياح كبير.
الحاج عبدالرحيم من كبار الصيادين بالمنطقة يبتسم وهو يقول: «القرار ده بيخلينا نشتغل وإحنا مطمنين، ونقدر نصرف على الشغل بدل ما الفلوس تروح فى الرسوم».
اليوم، تبدو البحيرة مختلفة كثيراً.. مياهها بدأت تستعيد لونها الطبيعى، الطيور المهاجرة عادت، شباك الصيادين تعود ممتلئة بأسماك الموسى والجمبرى البلدى. المزاد الأول كان احتفالاً بالعودة، وصوت الدلالين يملأ المكان، والابتسامات ترتسم على وجوه التجار والصيادين معا.. لكن ما حدث فى قارون ليس مجرد قصة بيئية، بل هو درس اقتصادى حى، قبل التدهور، كانت البحيرة تنتج آلاف الأطنان من الأسماك سنوياً، مما يدر دخلاً ثابتاً لعشرات القرى ويضخ منتجاتٍ بأسعار معقولة فى السوق المحلى.. انهيار الإنتاج رفع الأسعار، وأجبر مصر على استيراد أنواع كانت يوماً متوافرة هنا وبكثرة، عودة الإنتاج المحلى ستُخفض الضغط على الأسواق، وتعيد التوازن بين العرض والطلب، وتفتح فرصاً للاستثمار السياحى على الشواطئ الجنوبية، حيث تخطط المحافظة لإنشاء مشاريع سياحية بيئية توفر وظائف جديدة لأبناء الفيوم.
المحافظ يختم حديثه وهو ينظر إلى صفحة الماء قائلاً: «الطريق طويل، لكننا وضعنا الأساس الصحيح، البحيرة لن تعود للتدهور مرة أخرى، وسنعمل ليلاً ونهاراً لنضمن أن ما حدث من تطور هنا يكون نموذجاً متكرراً فى كل بحيرات مصر».. ومع الغروب، ترى فرحة الصيادين، الذين يلمون شباكهم بثقة، والطيور تحلق فى السماء، والبحيرة تروى حكاية انتصار العلم والإرادة على الإهمال.. هذه ليست مجرد مياه، إنها ذاكرة الفيوم ومستقبلها، وعادت اليوم لتبقى.