من الحارة إلى الشاشة.. دراما نجيب محفوظ تتجدد عبر الأجيال

حديث الصباح والمساء والسيرة العاشورية الأبرز

حديث الصباح والمساء
حديث الصباح والمساء


أحمد سيد

من الحارة المصرية، خرجت شخصيات نجيب محفوظ لتعيش فى وجدان الناس، حاملة معها تفاصيل الإنسان البسيط الذى يعانى ويأمل، يخطئ ويبحث عن الخلاص، وبعد 19 عامًا على رحيل أديب نوبل، لا تزال أعماله نابضة بالحياة، إذ تجاوزت حدود الورق لتجد طريقها إلى الشاشة، حيث تحولت رواياته إلى أعمال درامية ناجحة نقلت عمق نصوصه إلى جمهور أوسع، وظلت شاهدة على عبقريته الفكرية والإنسانية عبر الأجيال، ولعل من أبرز هذه الأعمال، مسلسل «اللص والكلاب»، الذى قدم أول مرة عام 1975، بطولة رجاء حسين وعزت العلايلى، وإخراج إبراهيم الصحن، ثم عاد بنسخة جديدة عام 1998، بطولة عبلة كامل ورياض الخولى، وإخراج أحمد خضر، ويستلهم المسلسل روح رواية محفوظ التى تناولت الصراع بين الفرد والمجتمع، وكيف تتحول الخيانة إلى دافع للانتقام، وتتصادم القيم الأخلاقية مع الانهيار الداخلى للبطل، فى سردية تتسم بالتشويق والتكثيف الدرامى.

بينما عام 1982، جاء مسلسل «الباقى من الزمن ساعة»، بطولة عزت العلايلى وفريد شوقى، وإخراج هانى لاشين، ليقدم لوحة إنسانية لعائلة مصرية تُواجه تغيرات قاسية بعد وفاة كبيرها، وتتقاطع خطوط الأحداث حول الانهيار التدريجى للتماسك الأسرى، وتطرح التساؤل حول القيم التى تنهار عندما يغيب مَن يمثلها، ويعرض المسلسل، كيف يمكن أن تتحول الخسارات الفردية إلى مشكلات جماعية، وكيف تصبح الجدة، رغم ضعفها، رمزًا للحكمة والبقاء.

ثلاثية نجيب محفوظ
ومن روائع نجيب محفوظ التى أثرت الدراما التليفزيونية، جاءت الثلاثية الشهيرة التى عولجت تليفزيونيًا على مرحلتين، والجزء الأول «بين القصرين» عُرِض عام 1987، وأخرجه يوسف مرزوق، وشارك فى بطولته محمود مرسى، صلاح السعدنى، وهدى سلطان، ويضعنا العمل أمام شخصية السيد أحمد عبد الجواد، رب الأسرة المُستبد نهارًا، والمُستهتر ليلًا، فى تناقض صارخ يعكس ازدواجية الشخصية الشرقية، ويرصد العمل، التوترات السياسية والاجتماعية التى سبقت ثورة 1919، من خلال الحياة اليومية لعائلة مصرية تقليدية.


فى العام التالى، استكمل السرد فى مسلسل «قصر الشوق»، الذى أعاد نفس الطاقم، تحت إخراج يوسف مرزوق أيضًا، وفى هذا الجزء، تتبدل الأحوال، ويبدأ الأبناء فى التمرد على سلطة الأب، بالتوازى مع تغيّرات المجتمع نفسه، وينقل العمل، ذلك الصراع الأبدى بين الأجيال، ويجسد ببراعة كيف تؤثر التحولات السياسية على النسيج الأسرى.

قشتمر
أما عام 1994، جاء مسلسل «قشتمر» المأخوذ عن رواية صدرت عام 1988، ليروى حكاية خمسة أصدقاء جمعتهم صداقة ممتدة بأحد مقاهى القاهرة القديمة، رمزًا للانتماء والزمن الذى لا يرحم، وتناول المسلسل فكرة التغير والتحول، من خلال رصد مسارات الأصدقاء الذين تناثروا فى طرق مختلفة، بعضهم صعد، وآخرون سقطوا، لكن ظلت الذكريات والمقهى شاهدين على ما كان، واللافت أن هذه الرواية نفسها تحولت لاحقًا إلى عمل إذاعى عام 1995، شارك فيه حسين فهمى وصفاء أبو السعود وأمينة رزق، فى تجربة مختلفة حافظت على نكهة النص الأصلى.

حضرة المحترم
بينما فى أواخر التسعينيات، عرض مسلسل «حضرة المحترم» عام 1999، بطولة أشرف عبد الباقى وسوسن بدر، وإخراج سيد طنطاوى، واستعرض المسلسل حياة عثمان بيومى، الموظف الطموح، الذى يسعى للصعود فى سلمه الوظيفى وسط شبكة من العلاقات العاطفية والإنسانية المُعَقَّدة، ويعكس العمل هوس البطل بالترقى والاحترام، وهو هوس ينقلب عليه تدريجيًا، فى سرد يفضح الطموح حين يصبح مرضًا.

الأقدار
ثم جاء مسلسل «الأقدار» عام 2000، بطولة عزت العلايلى وسمية الألفى، إخراج خالد بهجت، واعتمد المسلسل على الطابع الفانتازى، حيث تدور أحداثه فى زمن الفراعنة، مع محاولة لفهم المصير والقدر الإنسانى من خلال قصة بناء الأهرامات، ورغم طابعه التاريخى، فإن العمل لم يخلُ من القضايا الفلسفية التى تَمَيَّز بها محفوظ، خاصة ما يتعلق بالإرادة، والخضوع، وحرية الاختيار.
حديث الصباح والمساء

بينما أبدع المخرج أحمد صقر، فى تحويل رواية «حديث الصباح والمساء» إلى مسلسل ملحمى، عام 2001، ويضم عشرات الشخصيات، وجسده نُخبة من الممثلين، منهم ليلى علوى وأحمد خليل وأحمد ماهر، تناول المسلسل التغيرات التى طرأت على المجتمع المصرى عبر أجيال متعاقبة، فى بناء سردى غير تقليدى، حيث لا يوجد بطل وحيد، بل تتعدد الأصوات وتتشابك المصائر، والعمل يقدم بانوراما إنسانية تتقاطع فيها السياسة بالحب، والموت بالحياة، والخيانة بالأمل.

السيرة العاشورية
وفى العام نفسه، عرض مسلسل «السيرة العاشورية»، بطولة نور الشريف وإلهام شاهين وأحمد بدير، وإخراج وائل عبد الله، يعرض المسلسل، سيرة عاشور الناجى، الرجل الذى يصبح رمزًا شعبيًا للعدل والرحمة ومناصرة الضعفاء، ويتناول العمل كيف يمكن للإنسان البسيط أن يتحول إلى أسطورة، حين يتحلى بالمبادئ، ويُواجه الطغيان بشجاعة وعقلانية.

قسمتى ونصيبى
وفى تجربة اجتماعية أخرى، قدم مسلسل «قسمتى ونصيبي» عام 2001، بطولة مصطفى فهمى ودلال عبد العزيز وعماد رشاد، معالجة درامية مبتكرة من خلال 15 حكاية منفصلة، كل منها فى حلقتين، وتنوعت القصص بين العلاقات الزوجية والعاطفية، والمشكلات التى تُواجه الطرفين فى مجتمع مُتقلب، ونجح العمل فى تقديم رؤية معاصرة للعلاقات الإنسانية، بعين فلسفية تأملية.

أفراح القبة
وبعد غياب طويل، عاد نجيب محفوظ إلى الشاشة عبر بوابة مسلسل «أفراح القبة» عام 2016، بطولة منى زكى وجمال سليمان، وإخراج محمد ياسين، تدور أحداثه داخل فرقة مسرحية فى السبعينيات، حيث يُفاجأ الممثلون، بأن المسرحية التى يستعدون لتقديمها تسرد أسرار حياتهم الحقيقية، وفى هذا الفضاء بين الخيال والواقع، تتقاطع خطوط الزمن، ويظهر المسرح كمرآة للواقع، بل أداة لمحاكمة الذات.

طريق
وفى عام 2018، قدم مسلسل «طريق»، المستلهم من إحدى قصص نجيب محفوظ، ويتناول علاقة حب تجمع بين شابين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين، وتبدأ العلاقة بشغف وانجذاب، لكنها سُرعان ما تصطدم بواقع الطبقات والاختلافات الفكرية والثقافية، ليطرح السؤال الأبدى: هل الحب وحده يكفى؟

بين السما والأرض
وكانت أخر الأعمال التى تم تناولها عن رواية لنجيب محفوظ، من خلال مسلسل «بين السما والأرض»، والذى عُرِض عام 2021، وتدور أحداث العمل حيث يتعطل المصعد الكهربائى لأحد العقارات بمدينة القاهرة، وبداخله مجموعة من الأشخاص، الذين يتقابلون ﻷول مرة، تقع بينهم مفارقات، حيث لكل شخص قصة وحكاية مختلفة، وقد قدم العمل نفسه سينمائيًا عام 1959.