أمريكا.. صراع مفتوح بين ترامب والأجهزة الأمنية

الجنرال جيفرى كروس
الجنرال جيفرى كروس


محمد جمال الزهيرى

عادت التوترات من جديد إلى العلاقة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية فى بلاده، وذلك فى أعقاب الخلافات الحادة التى تفجرت مع صدور تقييم نتائج الضربة الأمريكية ضد إيران يونيو الماضى، وما أعقبها من قرارات مثيرة للجدل كان أبرزها إقالة رئيس وكالة استخبارات الدفاع، فى مواجهة تكشف عن وجود انقسامات عميقة بين البيت الأبيض، وأركان المؤسسة الأمنية الأمريكية، كما تلقى الضوء على الخلافات بين السلطة السياسية التنفيذية من جهة، والدوائر الاستخباراتية والعسكرية من جهة أخرى.

ونفذت الولايات المتحدة، فجر الأحد، 22 يونيو من العام الجارى، ضربة عسكرية دقيقة ضد منشآت نووية ومواقع استراتيجية داخل إيران، فى واحدة من أخطر خطوات التصعيد بين واشنطن وطهران منذ سنوات.

اقر أ أيضًا | سياسة ترامب الاقتصادية أكثر تطرفًا مما تبدو.. لماذا لا يثير ذلك قلقًا أكبر؟

ووفقًا لتقارير صدرت بعد الضربة الأمريكية الخاطفة، فإن الضربة شملت قسمًا مرتبطًا بتطوير أجهزة الطرد المركزى بمنشأة نطنز النووية، المعروفة بدورها فى تخصيب اليورانيوم، كما تم استهداف منشأة تحت الأرض قُرب أصفهان، يُشتبه بأنها تُستخدم فى أنشطة نووية سرية غير مُعلنة، بالإضافة إلى منشأة فوردو النووية تحت الأرض.. ونقلت التقارير عن مصادر أمريكية مطلعة، أن الضربات لم تستهدف المفاعلات النشطة بشكل مباشر، لكنها أصابت البنية التحتية الداعمة للمفاعلات النشطة، بهدف شل قدرة إيران على تطوير برنامجها النووى بشكل مُتسارع.

وفى أعقاب الضربة الأمريكية ضد إيران، أقالت إدارة ترامب، العديد من الضباط والقيادات الأمنية وأبرزهم رئيس وكالة استخبارات الدفاع الجنرال جيفرى كروس، الذى ترأس وكالة استخبارات الدفاع منذ بداية عام 2024، بعد أن أصدرت الوكالة تقييمًا أوليًا قَلَّل من أثر الضربات الأمريكية على إيران فى يونيو، وأفاد بأنها أدت إلى تأخير برنامج طهران النووى لبضعة أشهر فقط، فى تناقض صريح مع تصريحات الرئيس ترامب، للإعلام، والتى أكد من خلالها أن الضربات دمرت المواقع النووية الثلاثة المُستهدفة بالكامل.

ووضع هذا التباين فى التقديرات، ترامب فى مواجهة مباشرة مع قادة الأجهزة الأمنية، حيث اعتبر أن مثل هذه التحليلات «تُقَلِّل من إنجازاته»، و»تعطى صورة خاطئة للرأى العام الأمريكى».

ومنذ بدء ولايته الثانية يناير الماضى، أقدم ترامب، على إقالة العديد من الضباط وكبار رجال الأمن بالولايات المتحدة الأمريكية، من بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز «سى كيو» براون، الذى أقاله دون تفسير فى فبراير، كما أقال قائدى البحرية وخفر السواحل، والجنرال الذى ترأس وكالة الأمن القومى، ونائب رئيس أركان القوات الجوية، وأميرال بحرى ملحق بحلف شمال الأطلسى، وثلاثة من كبار المحامين العسكريين، كما تقاعد مؤخرًا رئيس أركان القوات الجوية دون إبداء أى تفسير بعد قضاء عامين فقط من ولايته المُمتدة لأربع سنوات.

وفى الداخل الأمريكى، لا يتم التعامل مع هذه السلسلة من الإقالات كإجراء إدارى فقط، بل اعتُبرت رسالة سياسية قوية لكل المؤسسات الأمنية، بمعنى أن ترامب، يستهدف من الإقالات، فرض منطق «الولاء السياسى» على حساب التقديرات المهنية، فى خطوة يُنظر إليها على أنها تُهَدِّد مبدأ استقلالية الأجهزة الاستخباراتية التى لطالما عملت على تقديم تقييمات موضوعية للرئيس مهما كانت نتائجها.

وأثارت إقالة رئيس وكالة استخبارات الدفاع، جدلًا واسعًا داخل واشنطن، حيث انتقد كبار أعضاء الكونجرس من الحزب الديمقراطى، وحتى بعض الجمهوريين، ترامب علنًا، معتبرين أن إقالة المسئولين الأمنيين على خلفية تقديمهم تقارير غير مُرضية للرئيس، «تُقَوِّض الأمن القومى»، و»تُسَيِّس العمل الاستخباراتى»، إلا أنه وفى المقابل، بَرَّر البيت الأبيض، القرار، باعتباره «ضرورة لإعادة ضبط بوصلة الأمن القومى» وفق ما يراه الرئيس، وأكد متحدثون باِسم إدارة ترامب، أن الرئيس من حقه أن يختار الفريق الذى يثق به لتنفيذ رؤيته الاستراتيجية.

ولم تكن أصداء سلسلة الإقالات التى نفذها ترامب، خصوصا تلك الإقالة الأخيرة لرئيس وكالة استخبارات الدفاع، داخلية فقط، بل طالت صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، حيث أبدى حلفاء واشنطن فى أوروبا، قلقهم من أن يؤدى «تسييس المعلومات الاستخباراتية»، إلى أخطاء فى تقدير المواقف، بما قد يجر العالم كله إلى مواجهات مفتوحة وغير محسوبة.

ويؤكد المحللون، أن تداعيات هذه الأزمة ستظل موجودة حتى بعد مغادرة ترامب للبيت الأبيض، فقد أسس ترامب، قاعدة قد يتبعها مَن يخلفه فى الرئاسة، بمحاولة تطويع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لخدمة أجنداتهم السياسية، بدلًا من القبول بالتقديرات الاستخباراتية على حقيقتها مهما كانت نتائجها.

فى نهاية الأمر، فإن المواجهة بين ترامب، وقادة الأجهزة الأمنية، بعد الخلاف حول تقييم ضربة إيران وإقالة رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية، تكشف أزمة أعمق فى قلب النظام السياسى الأمريكى تتعلق بمدى قدرة المؤسسات الأمنية على الاحتفاظ باستقلاليتها المهنية فى وجه الضغوط السياسية، ومدى استعداد الرؤساء لقبول الحقائق الاستخباراتية حتى لو اصطدمت برغباتهم، كما تفتح هذه الأزمة، الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل الأمن القومى الأمريكى، ومدى الاعتماد على المؤسسات الاستخباراتية وتقاريرها الواقعية فى صُنع القرار .