إنها مصر

الضفة.. حرب على كل شىء!

كرم جبر
كرم جبر


من الصعب العثور على نقطة ضوء واحدة فى الأنفاق المظلمة لما يحدث فى الأراضى الفلسطينية.. غزة بالنسبة لإسرائيل صداع مزمن، أما الضفة الغربية فهى «الحلم التاريخى» الذى لا يمكن التنازل عنه، وتسميها «يهودا والسامرا»، وتزعم أنها أرض الميعاد وميراث الأجداد، والخطة التى يجرى تنفيذها: توطين مليون يهودى وتغيير طبيعة الأرض، بحيث يُقضى نهائيًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويتكرر مشهد غزة فى الضفة الغربية، ولكن الضفة لها مكانة مختلفة عند إسرائيل، فهى تعتبرها قلب مشروعها الاستيطانى وجوهر حلمها الدينى، ومع ذلك تبرز المقاومة بقوة أكبر، لتؤكد أن الضفة ليست أرضًا سهلة الابتلاع، بل ساحة صراع حقيقية تهدد خطط الاحتلال.

والعمليات العسكرية الجارية فى مدن الضفة ليست «ملاحقات أمنية»، كما تحاول إسرائيل أن تسوّقها بل حرب شاملة، دبابات وجرافات تقتحم المخيمات وطائرات تحوم فى السماء، مدفعية تدك الأحياء المكتظة، والمستشفيات تُدمر عمدًا، والسكان يُمنحون ساعات قليلة للبحث عن ملاذ آمن، مع أنه لا وجود لمكان آمن أصلًا.

والنتيجة مأساة متكررة: قتلى تحت الأنقاض وجرحى بلا علاج، وتجويع متعمد عبر منع المساعدات، ووصفها وزير الخارجية الإسرائيلى يسرائيل كاتس بوضوح: «إنها حرب على كل شىء».

وكما فى غزة تجد إسرائيل فى الضفة غطاءً دوليًا: بيانات إدانة من الأمم المتحدة وبعض العواصم الغربية، وتظاهرات محدودة فى الشوارع الأوروبية، ثم لا شىء آخر، والمجتمع الدولى يبتلع الرواية الإسرائيلية بأنها «تدافع عن نفسها»، بينما تتواصل الانتهاكات بلا عقاب ولا محاسبة.

ويزداد الموقف ظلامًا بالموقف الأمريكى الظالم، وزيارات كبار المسئولين الأمريكيين للمنطقة لا تثمر، ويترك لإسرائيل حرية مطلقة لتكمل مشروعها التدميرى فى غزة والضفة معًا، ويمنع منح تأشيرات للوفد الفلسطينى لحضور اجتماعات الجمعية العامة فى نيويورك فى سبتمبر المقبل.

والأخطر هو التهديد المتكرر للمسجد الأقصى، والمستوطنون ينفذون اقتحامات متتالية أشبه ببروفات لإقامة «الهيكل المزعوم»، فى خطوة لا تمثل استفزازًا للفلسطينيين وحدهم، بل تهدد بإشعال مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود فلسطين.

وفى مواجهة هذه السيناريوهات، يبرز الموقف المصرى الرافض لأى مشروع تهجير أو تصفية للقضية، ويكون أكثر قوة بموقف عربى يربط استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل بوقف عدوانها، والاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد يردع أحدًا، بينما الخطر اليوم يهدد استقرار المنطقة برمتها.
الخلاصة: ما يحدث فى الضفة الغربية نسخة مطابقة من جحيم غزة، تُنفذ على أرض تراها إسرائيل قلب مشروعها الاستيطانى واستمرار هذا السيناريو يعنى تدمير الضفة وتحويلها إلى ساحة غير قابلة للحياة، وفتح الباب أمام انفجار أكبر قد يجر المنطقة كلها إلى كارثة.

والسؤال الذى يفرض نفسه: هل يتحرك العرب والعالم قبل أن يصبح المشهد فى الضفة نسخة أخرى من غزة، أم يكتفون بإدانة الكابوس؟