د. محمد عبد الحميد الزهار يكتب: الذكاء الاصطناعي والأمن القومي المصري

د. محمد عبد الحميد الزهار
د. محمد عبد الحميد الزهار


يشهد العالم اليوم سباقًا محمومًا نحو امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى غدت هذه التكنولوجيا معيارًا جديدًا للقوة الشاملة للدول. فالقوة لم تعد تقتصر على الجيوش أو الاقتصاد فقط، بل أصبحت مرهونة بالقدرة على تطوير الخوارزميات، وإدارة البيانات الضخمة، وتوظيف التطبيقات الذكية. ومن هنا يتضح أن مستقبل الأمن القومي المصري بات يتوقف بدرجة كبيرة على مدى قدرتنا على الاندماج في ثورة الذكاء الاصطناعي، ليس كمستخدمين فحسب، بل كمنتجين ومبدعين قادرين على المنافسة.

رغم الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، فإن هناك عدة تحديات تواجه مصر:

1. الفجوة التكنولوجية: ما زالت مصر – كسائر دول المنطقة – في المراحل الأولى من تطبيقات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالقوى الكبرى.
2. الاعتماد على الخارج: معظم البرمجيات والمنصات تأتي من شركات دولية، ما يخلق تبعية تكنولوجية قد تمثل خطورة استراتيجية.
3. التهديدات الأمنية: يتجلى ذلك في استخدام الذكاء الاصطناعي لنشر الشائعات، وإدارة الحروب السيبرانية، والتلاعب بالرأي العام عبر الروبوتات الإعلامية.
4.  غياب الكوادر المدربة: لا يزال هناك نقص في الكفاءات المتخصصة في تطوير الخوارزميات وتطبيقاتها الوطنية.

هنا لابد من ذكر مقترحات عملية لتعزيز الأمن القومي المصري عبر الذكاء الاصطناعي
1.   إنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

•    يعمل كمظلة تنسيقية بين الجامعات، مراكز الأبحاث، والوزارات.

•    يطور حلولًا مصرية لحماية البنية التحتية الحيوية مثل الكهرباء، المياه، والاتصالات.

2.  إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم
•    إدراج مناهج مبسطة عن الذكاء الاصطناعي من المرحلة الثانوية.
•    إنشاء كليات ومعاهد متخصصة لإعداد جيل جديد من المبرمجين والباحثين.

3.  برامج قومية للشباب المبدع
•  تنظيم مسابقات وطنية سنوية لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي تخدم الأمن القومي (مثل كشف الشائعات أو الزراعة الذكية).
•    دعم الشركات الناشئة في هذا المجال عبر حاضنات تكنولوجية وطنية.
4.  شراكات استراتيجية إقليمية ودولية
•  تأسيس “تحالف عربي للذكاء الاصطناعي” للتعاون البحثي وتقليل الاعتماد على الغرب.
• تعزيز الشراكات مع الصين، الهند، وكوريا الجنوبية كنماذج ناجحة في دمج الذكاء الاصطناعي بالتنمية.
5.  توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام والأمن الفكري
• إطلاق منصات مصرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمكافحة الأخبار المزيفة على مواقع التواصل.
• تطوير أنظمة قادرة على رصد وتحليل الحملات الرقمية المعادية لحظة بلحظة.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تقنيًا يمكن تأجيله، بل أصبح مسارًا إجباريًا لكل دولة تسعى لحماية أمنها القومي وتعزيز مكانتها في النظام الدولي الجديد. وإذا اكتفت مصر بدور المتلقي أو المستهلك، فستجد نفسها في موقع التابع. أما إذا استثمرت في عقول شبابها وبنت بنية تحتية رقمية قادرة على المنافسة، فإنها لن تكتفي بالتحصين ضد التهديدات، بل ستتحول إلى لاعب إقليمي مؤثر يملك أدوات المستقبل.

فالمعادلة واضحة: إما أن نصنع الذكاء الاصطناعي بأيدينا أو نصبح أسرى لمن يصنعه.

كاتب المقال: خبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية