منارة فوق التل الأثري| الجامع العمري بأشمون ربوة تتنفس التاريخ

 الجامع العمري بأشمون
الجامع العمري بأشمون


على ربوة عالية تشبه حارسًا يقظًا يطل على قلب مدينة أشمون بمحافظة المنوفية، يقف الجامع العمري، ذلك الصرح الذي جمع بين قدسية العبادة ورمزية التاريخ، شاهداً على تعاقب العصور، ومحتضناً ذاكرة مدينة ضاربة بجذورها في عمق الحضارات. لم يكن مجرد مسجدٍ تقام فيه الصلوات، بل صفحة حيّة من كتاب العمران الإسلامي الذي رسم ملامح المدينة على مر القرون.

اقرأ أيضًا| شنوان.. القرية التي جعلت من القلقاس جواز سفر إلى العالم| صور

يروي علي باشا مبارك في موسوعته الشهيرة «الخطط التوفيقية» أن المسجد شُيّد في العصر الأيوبي على يد جركس بك، أحد مماليك تلك الدولة، ليكون جامعاً كبيراً للمدينة يليق بمكانتها في ذلك الوقت. اللافت أن المسجد قام على أنقاض حصن روماني قديم، الأمر الذي منح موقعه بعدًا استراتيجيًا وحمى بنيانه من تقلبات الزمن، فالمكان نفسه شهد تحولات متعددة: من حصنٍ عسكري إلى بيت للعبادة، ومن نقطة دفاعية إلى منارة للعلم والثقافة.

تبلغ مساحة المسجد نحو ستة قراريط، بينما يمتد صحنه الداخلي ليغطي 862 مترًا مربعًا، متزينًا بجماليات العمارة الإسلامية التقليدية، حيث البساطة الممزوجة بالوقار، والتفاصيل التي تتحدث بلغة الفن قبل أن تنطق بروح العبادة. كان هذا الجامع، كما يروي كبار أهالي أشمون، ليس فقط دارًا للصلاة، بل ملتقى للعلماء وطلاب الفقه، ومركزًا يلتقي عنده أهل الرأي لتداول شؤون المدينة، فكان بحق جزءًا من نبض الحياة العامة.

سُجل الجامع العمري ضمن الآثار الإسلامية عام 1988، ليثبّت رسميًا قيمته التراثية التي يعرفها أبناء أشمون بالفطرة. وقد خضع لعدة عمليات ترميم، آخرها في عام 2002، لتأمين بنيته الأصيلة ضد عوامل التعرية والتغيرات المناخية، وبقي حتى اليوم شاهدًا على عبقرية التصميم وقدرة المعمار الإسلامي على الصمود.

لكن القيمة الكبرى للجامع العمري لا تتجسد فقط في حجارة تُقاوم الزمن، بل في القصص التي بقيت حية في ذاكرة الناس. هناك حكايات عن أجيالٍ كانت تتعلم فيه القراءة والكتابة قبل أن تعرف المدارس طريقها إلى القرية، وعن فقهاء كانوا يقطعون المسافات ليُدّرسوا علوم الدين على ضوء المصابيح الزيتية في ليالي الشتاء الطويلة، وعن رجال كانوا يجتمعون في ساحته للتشاور في أزمات عامة، فيتحول المسجد إلى مجلس شورى يضم أهل الحكمة.

ويروي أحد شيوخ البلدة أن الجامع شهد أحداثًا فارقة، منها أن مئذنته كانت في وقت من الأوقات نقطة رصد للغرباء، إذ يراقب منها شباب القرية القادمين من خارج أشمون زمن الاضطرابات، وأنه خلال النكبات والأوبئة، كان المصلون يلجؤون إلى ساحته لأداء صلوات الاستسقاء والدعاء برفع البلاء، فيغدو المسجد مركزًا روحيًا يجتمع فيه الناس على الأمل، كما يجتمعون على العبادة.

هكذا أصبح الجامع العمري جزءًا من ذاكرة الناس الشخصية بقدر ما هو جزء من تاريخ المدينة الرسمي، إذ يحمل كل جدار فيه أنين دعاء، وكل ركن فيه ظل لخطوات أطفال تعلموا أولى كلمات القرآن على حصيره، وكل ليلة رمضانية تروي حكاية عن تجمع القلوب قبل أن تجتمع الأجساد في صلاة التراويح.

يظل الجامع العمري بأشمون منارة تراثية، يلتقي عندها عبق الماضي بروح الحاضر، وركيزة من ركائز الذاكرة العمرانية والدينية لمحافظة المنوفية، شاهداً على أن المدن لا تحفظ تاريخها بالحجارة وحدها، بل بالروح التي تظل تسكن تلك الحجارة وتتنفس من بين جدرانها، لتخبرنا في كل زيارة أن المكان ليس مبنى، بل قصة، وذاكرة، وهوية.