شكرى سلامة
تفتح مصر عينيها على زمن جديد كل عقد، وتغلقهما على خيبة لكنى لم أكن هناك حين كانت البيوت تُبنى على أمل، وتُهدم من الداخل بفواتير لا تنتهى، وحروب لا تُفهم.
وُلدت بعد كل هذا، فى عام ألفين واثنين، على الهامش الزمنى لعصرٍ لم أره، لكننى أرى أثره فى البيوت، والجدران وفى الإحباط العام الذى يلم بكل شيء.
حتى اليوم لا أستطيع تقييم تلك اللحظة الكاشفة، خرجت ساعتها من كتاب «ماذا حدث للمصريين؟» للدكتور جلال أمين.
أبحث عن تفسير، أو عن سلم أصعد به لأطل على ماضٍ لا يخصنى، لكنى أراه فى وجوه من عرفتهم، وتتكرر رؤيته فى وجوه كل من أمر به. منحنى د. جلال أمين تفسيرًا لما فاتنى كاقتصادى نبيل، لكنى كنت بحاجة إلى عينٍ داخلية، وهنا اصطدمت برواية «ذات»، لأجد تلك العين فى صنع الله إبراهيم.
لم تكن «ذات» بالنسبة لى مجرد رواية بل نافذة على زمنٍ يشبه بيت جدى حين تنقطع الكهرباء: كل شيء فيه يأخذ معنى جديداً على ضوء الشمعة، كل تفصيلة تصبح أكبر من المُعتاد.
رائحة الجبن المدعم، الزيت المهدرج، صورة عبد الناصر على الحائط تدارى شرخا يبدأ تقريبا من قلب جدى، وينتشر عبر الجدار، الفرح حين يأتى المرتب، والقلق حين يتأخر. كيف عرف صنع الله كل هذا؟ كيف كتب الحزن بلغة محايدة؟ كيف جعل الوثيقة تنبض؟
دهشت من ذكائه لا ككاتب فقط، بل كمؤرخ حساس يكتب بيقظة غريبة أثارت كل جملة داخلى تساؤلاتٍ عديدة حول عبقرية ذلك الرجل، والذى استطاع الإمساك بكل تلك التفاصيل، ثم جلس ليطلقها فى وجهى بكل تلك الصراحة والسخرية.
اتضح العالم أمامى فجأة على ضوء جديد، فما كنت أراه طبيعيًا الآن، هو سلسلة من التحولات العنيفة والانهيارات المتكررة، قرارات عجيبة وردود أفعال أكثر عجباً، ورأيت فى عينَى «ذات»، ما حدث للمصريين فعلاً.
لست بصدد تفسير كامل للرواية، بل ما أقصده هو أننى شعرت مجددا بذلك الهم الإنسانى تجاه الواقع المتغير والمتسارع، الهم الذى وجدته عند الدكتور جلال أمين، ووجدته بغزارة فى أعمال صنع الله إبراهيم، وصحيح أنه هم إنسانى واحد، ولكن تبدو درجة تجذره فى صنع الله إبراهيم أقوى، كأنه اكتوى بشدة بنار تلك الفترة!
أقرأ «شرف»، ثم «التلصص»، و«بيروت بيروت»، فلا يفارقنى شعورى بأن هذا رجل ذكى، لكن ليس كما يقول المرء عن شخص يعجبه تفكيره أنه ذكى، بل كما يشير لشخص ذى ذكاء خارق فعلاً.
ولم أكن تذوقت من قبل تلك الكتابة التى تُكتب بذكاء، وصاحبها منتبه كأنه يخاف إن تراخى وعيه، ضاعت من بين يديه الحقيقة، فلم يكن بذلك صورة لعصره، بما تجرده الصورة من ديناميكية الواقع، بل كان هو عصره شخصياً، حياً وحراً يتنقل من مكان لآخر برغبة جامحة فى المكاشفة.
أسأل نفسى أحيانا: ماذا يمكن أن يفعل الكاتب تجاه واقعه؟ أتفقد كل ما كتبته بحثاً عن صورة للواقع، فلا أجد غير عالم شوهته الرموز.
أشعر بالخجل -أحياناً- من نفسى حين أقرأ لصنع الله إبراهيم، أين أنا منه؟ كيف لا أنتبه لما يحدث فى العالم؟ وكيف لا أعلق المشانق؟ كيف لا أنقم وأتهكم؟ كيف لا أثور على كل ما يحدث؟
لا ينجدنى من كل ذلك إلا إيمانى بأن ربما تلك طريقتى، وأن كلانا يقول «لا» للعالم تقريباً، أحدنا بكشفه على حقيقته حتى يكاد أن يصبح دمية، والآخر فى طمسه بالرموز، هذا ما أقوله فى لحظة صدق عابرة، ثم أعود لأسأل نفسى فى لحظة الصدق التالية، هل أبرر لمخاوفى وجبني؟ أم هى الحقيقة فعلا؟
لا أدرى!
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







