«أنا مش حافظ كتالوج الأبوة».. جملة عابرة لكنها ملهمة وردت في مسلسل «كتالوج» الذي اختصر مشاعر كثير من الآباء الذين يدخلون عالم الأبوة لأول مرة، سواء بميلاد طفلهم الأول أو بعد سنوات من الغياب والفراق عن الأبناء. فبين رهبة المسؤولية ولذة الحضور، يعيش الأب ما يشبه الانطلاقة الجديدة فى مشوار حياته ويكتب تفاصيلها سطرًا بسطر، بتجارب ومواقف ومشاعر بعضها مربك وبعضها مشبع بالحب..
في هذه اللحظة، قد يكون الأب فى بداياته مع أول مولود، أو يعود للقيام دوره بعد غياب طال، وفى الحالتين، لا يحمل كتالوج جاهزا، بل يخطو مترددًا نحو علاقة جديدة، فيها من الاكتشاف أكثر مما فيها من المعرفة المسبقة. يتعلم كيف يحتضن ويستمع، كيف يكون حاضرًا لا لمجرد أداء الواجب، بل لصنع ذاكرة ومكان حقيقي في قلب ابنه أو ابنته.
وفي السطور التالية، تقترب «الأخبار» من هذا العالم، وتناقش القضية مع عدد من الآباء والخبراء في علم النفس والاجتماع، لفهم ملامح سنة أولى «أبوة» وتحدياتها، وكيف يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق حقيقية لعلاقة مليئة بالحب والوعي والمسؤولية.
◄ الخبراء: غياب الوالد يخلق جرحًا نفسيًا لا تُرممه الأيام
يقول ياسر فؤاد، موظف فى شركة خاصة وأب لطفلين كريم (9 سنوات) وسلمى (5 سنوات): «من أول لحظة شفتهم فيها بعد الولادة، وأنا حاسس إنى نفسى أكون أب بجد مش مجرد عابر فى حياتهم»، فرغم انشغاله الدائم، إلا أنه يرى أن مسؤولية التربية والقرارات الكبيرة لا تخص الأم وحدها، بحكم العادات والتقاليد التى يتبعها الكثير، وأحيانًا بسبب طبيعة العلاقة بين الزوج وزوجته التى لا تتيح له مساحة كافية للمشاركة الفعلية.
لذا يسعى ياسر لتعويض هذا الغياب عبر لحظات خاصة يجمعه فيها المرح والحوار مع أولاده، لكنه يشعر أن العلاقة تحتاج إلى مساحة أكبر من التواصل والثقة المتبادلة، والتى للأسف لا تحدث كثيرا بسبب التزامات الأب التى لا تنتهى، وعلى كل حال فهو يحاول دوما أن يشارك تفاصيل حياتهم وقت فراغه ليحقق دوره الحقيقي.
◄ اقرأ أيضًا | أستاذ علم نفس: تربية الأبناء ليس معناها توفير المال والاحتياجات فقط
◄ طارق: «ابني كل حياتي»
أما طارق إبراهيم أب لطفل وحيد، زياد، يبلغ من العمر 14 عامًا، قبل أشهر قليلة، رحلت أم زياد بشكل مفاجئ، بعد سنوات من حياة أسرية كانت تمتلئ بالحب والدعم، ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء، وأصبح طارق يرى أن مهمته الأساسية فى الحياة الآن هى دعم ابنه ومرافقته نفسيًا حتى يتجاوز الفقد.
يعمل طارق مديرًا عامًا فى إحدى الهيئات الحكومية، ويحرص بعد انتهاء عمله على التفرغ التام لابنه، فلا يخرج من المنزل إلا للضرورة، مفضلًا قضاء كل الوقت الممكن معه، مضيفًا أن علاقته بابنه أصبحت أقرب للصداقة العميقة، وهو ما ساعد زياد على التكيف شيئًا فشيئًا.
زياد يرى والده قدوته ومثله الأعلى، فيما تحاول خالته أن تسد بعضًا من الفراغ الذى خلفه رحيل شقيقتها، فبعد أن ترملت منذ سنوات، قررت أن تنقل إقامتها بجانبهم، لتكون سندًا فى تدبير شؤون المنزل، من تنظيم الوجبات إلى متابعة الدراسة، فى محاولة صادقة للحفاظ على استقرار زياد وتوفير حياة أسرية آمنة ومألوفة بقدر الإمكان.
◄ محور الحياة
وتعلق د. نهى الشاعر، إخصائى الإرشاد النفسى والأسرى، على ذلك قائلة أن موضوع الأبوة من الزوايا التى تستحق التوقف أمامها، لأنه بالفعل كثير من الأطفال والمراهقين، خاصة الأولاد، يرون أن الأم هى محور الحياة، هى من تمنحهم الحب والاهتمام والشعور بالأمان بشكل دائم. ولهذا، عندما تغيب الأم لأى سبب، يحدث اضطراب واضح فى نفسية الأبناء، خاصة إذا لم يكن الأب لديه القدرة على سد هذا الفراغ العاطفي.. وترى أن أحد التحديات الكبيرة فى المجتمع، هو أن عددًا كبيرًا من الآباء لم يعتادوا أن يكونوا حاضرين عاطفيًا، فغالبًا ما يكون دورهم إداريًا أو ماديًا فقط، وليس وجدانيًا، لكن الحقيقة أن الطفل لا يحتاج فقط لمن يوفر له المال أو ينظم له يومه، بل هو فى حاجة لمن يستمع إليه، يحتضنه، يشعر بما يمر به، ويطمئنه دون أحكام.. وتشرح أن الأبوة ليست توقيعًا فى شهادة الميلاد أو مجرد رابط بيولوجى، بل هى فعل يومى مليء بالحب والانتباه، يتجسد فى كلمة طيبة، فى نظرة مليئة بالطمأنينة، فى سؤال صادق عن الحال، وفى يد تُمد دون شروط.
◄ الآباء أنواع
وتحذر من مفهوم «الأب الغائب»، الذى لا يرتبط فقط بغياب الأب عن المنزل، بل يشمل أيضًا ذلك الأب الذى يكون حاضرًا جسديًا، لكنه غائب عاطفيًا ونفسيًا،فهذا النوع من الغياب غير المرئى يمكن أن يترك فى نفس الطفل آثارًا أعمق من الغياب المادى، فالطفل لا يحتاج فقط لمن يؤمن له الطعام والتعليم، بل لمن يكون قادرًا على احتواء مشاعره، فهم قلقه، دعمه دون أن يُصدر عليه أحكامًا، ومرافقته وهو يبنى صورته الذاتية.. وتُبين أن هناك أنماطًا متعددة لهذا الغياب، فهناك «الأب الصامت»، الذى يعيش مع أبنائه فى نفس البيت، لكنه لا يشاركهم الحديث أو المشاعر، ولا يسألهم عن يومهم أو يشعرهم بأنه يراهم، وهناك الأب الذى يرى دوره مقتصرًا على تأمين المصاريف، ويترك التربية بالكامل للأم، ما يجعل الأبناء ينظرون إليه باعتباره «الممول وليس السند».
وهناك «الأب المنهك» الذى يبرر غيابه بأنه متعب أو مشغول أو لا يملك طاقة، فيختار الانعزال بدلاً من التواصل، فيشعر الطفل بأنه عبء يجب ألا يُظهر احتياجاته، وهناك أيضًا الأب الذى يشاهد عن بعد، لا يضع حدودًا أو يتدخل، ويتجنب الصراعات والمواقف التربوية، فيفقد الطفل الشعور بالأمان والانضباط. وأخيرًا، هناك الأب الذى تجرّح فى طفولته ولم يتعافى، فيعيد دون وعى نفس الإهمال أو القسوة التى تعرض لها، لتستمر الحلقة من جيل إلى آخر.
◄ إرشادات هامة
وتقدم د. نهى بعض الإرشادات التى يمكن أن تساعد الآباء على استعادة علاقتهم بأبنائهم، وتبدأ بالدعوة إلى الحضور العاطفى قبل المادى، وذلك من خلال الحوار الصادق، والسؤال المهتم، والانتباه لنبرة الصوت وتعبيرات الوجه، لأنها مفاتيح لفهم ما يشعر به الطفل حقًا، مشيرة إلى أن الاعتراف بالمشاعر والاعتذار عن التقصير ليس عيبًا، بل علامة نضج وحب، مثل أن يقول الأب: «أنا آسف إنى ما كنتش متواجد الفترة اللى فاتت»، فهذه الجملة قد تفتح أبوابًا كثيرة أُغلقت بالصمت..
وتؤكد على أهمية الاستماع النشط، والاهتمام حتى بأصغر تفاصيل اليوم، مع تجنب إصدار الأحكام أو المقاطعة. كما تدعو إلى تخصيص وقت يومى، حتى لو ربع ساعة، خالى من الهاتف والمشتتات، من أجل التواصل الحقيقي.. وتختتم بتوجيه رسالة مهمة للآباء الذين يشعرون أنهم يكررون سلوكيات آبائهم معهم، بأن يسعوا نحو التعافى، من خلال جلسات الدعم النفسى أو الاستشارة، حتى يتوقف هذا النمط المؤلم من الانتقال من جيل لآخر، وتدعو المجتمع كله إلى المساهمة فى نشر التوعية، من خلال الحوارات المفتوحة، والمجموعات الأبوية، والدورات والبودكاستات التى تُعيد تعريف الأبوة بوصفها علاقة تواصل واحتواء، وليس مجرد دور تقليدى يُؤدى.
◄ معنى الأمان
ومن جانبها، تشير د. هند عادل، إخصائية الطب النفسى، إلى أن لحظة رؤية الطفل لأبيه لأول مرة لا تمر بشكل عابر، بل تبدأ معها بذرة تتكون داخل الطفل عن معنى الأمان، ومعنى أن يكون هناك شخص متاح وقت الحاجة، موضحة أن وجود الأب فى حياة الطفل ليس رفاهية كما يظن البعض، بل هو حجر أساس فى تكوين الجهاز العاطفى والنفسى للطفل، فعندما يغيب الأب، أو يكون حضوره مشروطًا، أو غامضًا، أو بعيدًا عاطفيًا حتى وإن كان موجودًا جسديًا، فإن ذلك يخلق فراغًا داخليًا، قد يتحول لاحقًا إلى أنماط غير صحية من التعلق القلق أو التجنبي.
وتوضح أن الطفل الذى ينشأ دون وضوح فى علاقة الأب، أو يشعر دائمًا أنه بحاجة لإثبات استحقاقه لوجوده، يتعلم بمرور الوقت أن يكبت مشاعره أو يبالغ فى التعبير عنها، وقد يدخل فى علاقات لاحقة تكرر نفس النمط الذى عاشه، فينجذب للأشخاص غير المتاحين عاطفيًا، أو ينسحب من أى علاقة قبل أن تقترب منه، لأنه لم يتعلم يومًا أن يستقبل القرب دون خوف.
◄ إعادة التجربة
وتلفت إلى أن الكثير من السمات التى تظهر على البالغين، مثل صعوبة الثقة بالآخرين، التعلق الزائد، التجنب، القلق الوجودى، الإحساس الدائم بعدم الكفاية، والرغبة المرضية فى إثبات الذات أو حتى الغضب المكبوت، قد تكون جذورها ممتدة إلى صورة الأب الغائب، أو الأب الحاضر بشكل ضاغط، أو الموجود جسديًا لكن دون تواصل حقيقي.. وتؤكد أن هذه الجراح النفسية لا تقتصر على مرحلة الطفولة فقط، بل غالبًا ما تظهر بوضوح فى مواقف العلاقة العاطفية، أو فى لحظات الفقد، أو حتى عندما يصبح الشخص أبًا أو أمًا ويبدأ فى إعادة تجربة الأبوة من موقعه..
ومن خلال عملها فى العيادة النفسية، تشير د. هند إلى أنها تلتقى كثيرًا بحالات لرجال يواجهون صعوبة فى لعب دور الأب، لأنهم لم يعرفوا فى طفولتهم نموذجًا صحيًا لهذا الدور، كما تقابل نساء يحملن فى داخلهن وجعًا صامتًا تجاه صورة الأب الناقصة التى رافقتهن طوال حياتهن، مشيرة إلى أن هذا الألم، وإن كان لا يُقال أحيانًا، إلا أنه يتحرك تحت سطح الحياة اليومية، ويتحكم فى اختيارات مصيرية تتعلق بالعمل، والزواج، والعلاقات، بل وحتى العلاقة التى تربط الإنسان بنفسه.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







