اللوحة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


سعد أحمد ضيف الله

عندما انتقلنا إلى منزلنا الجديد، اتفقنا أنا وزوجتى على كل قطعة أثاث فى المنزل، إلا اللوحة التى أردنا أن نشتريها ونعلقها على أحد حوائط الصالة الرئيسة، حائط كبير نوعاً ما، سبعة أمتار مكشوفة على كل شىء، لم تكن تلك اللوحة متوافقة لكلينا، ما كنا متوافقين عليه أن تكون اللوحة ذات دلالة سريالية كى لا يتمكن الناظر من فهمها من أول وهلة، وكى تظل متوقدة فى كل حين ولا تفسر سريعاً، فلا نضطر إلى تغييرها بعد مدة قصيرة، أما اللوحة الواقعية فإنها مع مرور الوقت ستتحول إلى منظر نمطى، ومن الممكن أن تفقد حيويتها أو جاذبيتها الأولى التى شاهدناها بها.

أرادت زوجتى لوحة عرضها متر ونصف، بينما أردتُ أنا لوحة بعرض مترين، بما أن الحائط مساحته كبيرة، هذا هو ما تجادلنا حوله.

أصرت زوجتى على أن لوحة عرضها متر ونصف هو كل ما نحتاجه، شريطة أن توضع فى وسط الحائط تماماً.

شعرتُ أن وجهة نظرها بعيدة عن الهدف الحقيقى تماماً، وأخبرتها أن ما يهمنى هو حجم اللوحة، والنظر إليها جالساً هنا أو هناك أو من أى مكان فى الصالة، ومن الممكن التحديق العميق فيها والتخيل، لذا ينبغى أن تكون بمستوى قياس مناسب للناظر إليها، فى تصورى كانت فكرة مقاس اللوحة أهم من أى إطار من الممكن أن يحملها.

لذا، أخبرتها أننا نريد لوحة ننظر إليها كى نتمكن من تخيل الإبداع بصور متعددة، وتخيل إمكانية أن نعيش فى كل جزء منها بخيال واسع، وكلما كانت اللوحة أعرض كلما ازدادت مساحة التخيل، وتكون أدت واجبها بشكل متقن. تطرقت زوجتى لمسألة المال، فأخبرتها أننى أفضل أن نشترى لوحة مكلفة قليلاً وتفى بالغرض، على أن نشترى لوحة رخيصة ثم نندم على شرائها فيما بعد.

لذا، فإن خيار عدم شراء لوحة غير مناسبة لحائط كبير يصبح أفضل من شراء لوحة سنضطر لتغييرها يوماً ما.

تعبنا من الجدال حول الخيارات الثلاثة، خيار شراء لوحة بعرض مترين، وخيار شراء لوحة بعرض متر ونصف، وخيار عدم شراء لوحة فى الوقت الحالى.

لذا توقفنا ليوم عن الحديث عنها، خلال هذا اليوم اضطررت للتجول فى السوق، أثناء دخولى لأحد المعارض كنت أرى لوحة هنا ولوحة هناك، فى مساحات كبيرة، ومساحات صغيرة، حيناً كنت أراها على حائط بخلفية بيضاء وحيناً بخلفية سوداء، سواء كان الحائط مرتفعاً أم منخفضاً، فقد كانت اللوحات ذوات عرض مترين دائماً، سواء كانت لوحة سريالية أو طبيعية، سواء لوحة تناسب الحوائط الفاتحة أم الداكنة.

بالنسبة لزوجتى، عرض اللوحة متر ونصف مؤهل لاستغلال باقى الحائط بصور أخرى أقل حجماً، تقول إن الحائط واسع ويستوعب عدداً من الصور. بالنسبة لى، قد يكون تعدد الصور يشتت نظر الضيوف عن اللوحة الرئيسية.

مضى ذلك اليوم، وفى اليوم التالى بدأتُ أنا وزوجتى نتجادل حول اللوحة مرة أخرى، ثم بدأت أصواتنا تخف رويداً، وتتكشف لنا فكرة جديدة، حين شعرتْ أنى أميل إلى وجهة نظرها، وشعرتُ بها تميل قليلاً إلى وجهة نظرى حول اللوحة، أيدتها، مع ذلك قلت أثناء الحديث: إن اللوحة التى بعرض متر ونصف تبدو شبه ضائعة فى حائط كهذا، بينما اللوحة ذات عرض مترين تبدو أكثر انسجاماً على حائطنا بالذات.

واعترفت لى: أن اللوحة ذات المترين ليس بينها وبين اللوحة ذات المتر ونصف فارق كبير، قلت: فعلاً، من الصعب أحياناً أن نرى فرقاً بينهما.

واقتنعتُ بأن لا فارق كبير، واتفقت معى على أنه من الممكن ألا يلحظ أحد الفارق بين رؤيتينا، لقد كان الفارق نصف متر واحد فحسب.

أعتقد أننا فى تلك اللحظة اكتشفنا معاً وجود اللوحة المناسبة، لوحة جميلة يمكننا وضعها على الحائط ذاته، وقد بدا لنا أن هذه اللوحة هى ما كنا نبحث عنه طوال الوقت، وهى ما تصورناها فى رؤيتنا معلقة على هذا الحائط، لوحة بعرض متر وخمسة وسبعين سنتمتراً