◄ مصدر قانوني: ضرورة تعديل القانون وإلزام الشركات بتعويض الضحايا
◄ القانون حدد العديد من الضوابط لتشغيل النقل الذكي.. ولكن لا تطبق
◄ جرائم النقل الذكي تتكرر يوميًا.. والرحلات تقود لـ «سكة الندامة»
◄ أكثر من 64٪ من المواطنين يعتمدون على خدمات النقل الذكي في تنقلاتهم اليومية
بين وعود التكنولوجيا وواقع الشارع، يعيش ركاب النقل الزكي أزمة يومية عنوانها: «الأمان في مهب الريح»، وعلى الرغم من قيام شركات النقل الذكي برفع شعارات «رحلة آمنة إلى وجهتك»، تتوالى الجرائم التي تكشف كذب هذه الوعود.
تنوعت جرائم النقل الذكي، من سائق يتعاطى المخدرات أثناء القيادة، إلى آخر يهدد راكبة بالسلاح، وصولًا إلى مأساة «فتاة الشروق» التي دفعت حياتها ثمن لحظة رعب داخل سيارة تحمل شعار الأمان، لذلك ما يحدث خرج عن نطاق «الحادث الفردي»، ويكشف عن وجود أزمة ثقة بين الركاب والتطبيقات، بين القانون والواقع، وبين شعار «سكة السلامة» ويقود إلى «سكة الندامة».

رحلة النقل الذكي، يفترض أن تنتهي بسلام «نقرة واحدة على تطبيق النقل، سيارة نظيفة، سائق مبتسم، وشعار مطمئن يتكرر رحلة آمنة إلى وجهتك». لكن الواقع كثيرًا ما يحكي قصصًا مغايرة؛ قصص عن مضايقات، تحرش، سرقة، وأحيانًا عنف وصل إلى محاضر في أقسام الشرطة وصفحات الجرائد.
◄ قصص من المقعد الخلفي
لم يكن يتوقع «محمود»، أن رحلته العادية عبر تطبيق نقل ذكي ستتحول إلى صراع من أجل النجاة. في البداية بدت الأمور طبيعية، سيارة جديدة، وسائق مسجل بالتطبيق. لكن دقائق قليلة كانت كفيلة بقلب المشهد رأسًا على عقب.
بدأ السائق يتصرف بغرابة، عيناه زائغتان وحركاته غير متزنة، فجأة أخرج سيجارة شكلها غير معتاد وتفوح منها رائحة غريبة، وأشعلها وهو خلف عجلة القيادة، بينما السيارة تنطلق بسرعة جنونية تجاوزت 120 كيلومترًا في الساعة.

حاول «محمود» التحدث معه وتهدئته، لكن السائق بدا غائبًا عن وعيه، وكأن حياة الراكب وباقي مستخدمي الطريق لا تعنيه. ومع استمرار السيارة في الانطلاق بلا سيطرة، لم يجد الراكب بدًا من التدخل: انتزع مفتاح التشغيل بالقوة وأبعد قدم السائق عن دواسة البنزين، ليوقف السيارة قبل لحظات من وقوع كارثة محققة.
◄ الداخلية ترصد وتتحرك
وزارة الداخلية لم تتأخر في الكشف عن تفاصيل الواقعة، حيث أصدرت بيانًا أكدت من خلاله أن الأجهزة الأمنية، تمكنت من تحديد وضبط السيارة «سارية التراخيص» وقائدها المقيم بدائرة قسم شرطة المطرية، وبمواجهته، اعترف السائق بتعاطي مادة «البودر» المخدرة، أثناء اصطحابه لأحد الركاب في الرحلة، تم التحفظ على السيارة واتخاذ الإجراءات القانونية ضده.

القصة لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل صدمة لرأي عام تساءل: كيف يمكن لسائق في حالة غير متزنة أن يعمل عبر تطبيق يرفع شعار «رحلة آمنة»؟ وأين تذهب إجراءات الفحص والمتابعة التي تعلن عنها الشركات بين الحين والآخر.
◄ رحلة تحت التهديد
في ليلة من شهر مايو 2024، طلبت إحدى السيدات رحلة من «القاهرة الجديدة» باتجاه «الشيخ زايد» رحلة بدت مستقرة من بدايتها، لكنها كادت تنتهي بكابوس. في منتصف الطريق، تعرّضت لمحاولة خطف واغتصاب من سائق سيارة التاكسي التشاركي.
وفقًا لسرد شقيقتها، توقف السائق تحت زعم أنه يود إحضار ماء من صندوق السيارة، لكنه أخرج سكينًا وهدّد الضحية. وبقوة شجاعتها وكفاحها، استطاعت الهرب، وأبلغت الشرطة التي ألقت القبض على المتهم لاحقًا.

«أوبر مصر» أصدرت بيانًا بأن هذا التصرف «لا مكان له على التطبيق»، وأعلنت عن إغلاق حساب السائق وتقديم كل الدعم للضحية، بالإضافة إلى التعاون مع السلطات الأمنية في التحقيقات.
◄ فتاة الشروق
في مارس 2024، وُثّقت واقعة مأساوية حين قفزت الطالبة الجامعية حبيبة الشماع المعروفة إعلاميًا بـ«فتاة الشروق» من سيارة تابعة للنقل الذكي أثناء انتقالها، ظنًا منها أن السائق يحاول خطفها. واتخذت قرار القفز تحت تأثير ذعر عميق، ما أدى إلى إصابات بالغة في الرأس ونزيف داخلي، لفظت على إثره أنفاسها الأخيرة.
وأحالت النيابة المتهم للمحاكمة، موجهة إليه تهم الشروع في خطفها، التعاطي أثناء القيادة، وتزوير المستندات لإعادة فتح حساب على التطبيق بعد إغلاقه بسبب شكاوى سابقة.
في أول حكم، صدر على المتهم بالسجن المشدد 15 سنة، غرامة 50 ألف جنيه، وإلغاء رخصة القيادة، لكن لاحقًا خُفّفت العقوبة إلى 5 سنوات فقط، واعتبرته بريئًا من تهمة الخطف، فيما أدين بتهم المخدرات والقيادة تحت تأثيرها.

منذ عام 2018، نظّم القانون المصري خدمات النقل الذكي عبر التطبيقات الذكية. القانون ألزم الشركات بالترخيص، وأتاح للجهات الأمنية الاطلاع على بيانات السائقين والرحلات، لكن رغم ذلك، ما زال هناك جدل حول المسؤولية الجنائية: هل تقع بالكامل على السائق باعتباره فردًا مستقلاً؟ أم تمتد لتشمل الشركة التي وعدت بالأمان وسهلت الرحلة.
◄ مسؤولية الشركات.. بين الشعار والواقع
شركات النقل الذكي، تبني حملاتها التسويقية على كلمة واحدة: «الأمان، زر مشاركة الرحلة، تقييم السائق، خدمة العملاء المتاحة على مدار الساعة»، كلها وعود تهدف إلى طمأنة الراكب. لكن عندما تقع الحوادث، يتضح أن المسافة بين الشعار والواقع كبيرة، حيث أن تعامل الشركات مع الشكاوى في حالة الاعتداءات أو التحرش، غالبًا ما تكتفي الشركات بـ إيقاف حساب السائق دون تقديم دعم قانوني مباشر للضحية.
اقرأ أيضا| تأييد حكم السجن 5 سنوات لسائق «أوبر» في قضية حبيبة الشماع
واشتكى بعض الركاب من أن خدمة العملاء بطيئة أو تتعامل مع الحادث كـ«مشكلة تشغيلية» أكثر منها تهديدًا لحياة إنسان. ففي حادثة تعاطي «البودر»، الشركة اكتفت ببيان مقتضب عن تعاونها مع الشرطة، لكن لم تُعلن عن آلية واضحة لمنع تكرار مثل هذه الوقائع.

◄ من يتحمل المسؤولية؟
وفقًا لقانون النقل الذكي في مصر 2018، الشركة ملزمة بتسجيل بيانات السائقين وإتاحتها للجهات الأمنية عند الطلب، لكنها لا تتحمل مسؤولية مباشرة عن أفعالهم الجنائية ولذلكً عمليًا، إذا وقع حادث، تُعتبر الشركة «وسيطًا تقنيًا» فقط، بينما يُحاكم السائق بصفته الفردية. هذا الوضع يترك ثغرة خطيرة: الشركة تستفيد ماليًا من السائق لكنها لا تتحمل تبعات تصرفاته كاملة.
◄ أصوات قانونية
وأكد مصدر قانوني «رفض ذكر اسمه»، أن الشركات يجب أن تُحمّل جزءًا من المسؤولية لأنها تتيح للسائقين العمل تحت علامتها التجارية، وبالتالي تُسوّق الثقة للركاب. وأن هناك دعوات لتعديل القانون بحيث تُلزم الشركات بتعويض الضحايا ماديًا أو قانونيًا، أسوة بما يحدث في بعض الدول الغربية حيث تتحمل الشركة جزءًا من التعويض.
◄ كيف تعاملت دول أخرى مع جرائم النقل الذكي؟
رغم أن شركات النقل الذكي نشأت بفكرة «الأمان والراحة»، إلا أن وقائع مشابهة سجلتها دول كثيرة، ما دفع الحكومات والشركات لاتخاذ إجراءات صارمة:
- الولايات المتحدة
بعد تزايد جرائم التحرش والاعتداء من بعض سائقي أوبر وليفت، اضطرت الشركات لتطبيق فحص خلفية موسّع «Background Check» يشمل السجل الجنائي واختبارات المخدرات وتم تفعيل زر الطوارئ داخل التطبيق يربط مباشرة بشرطة النجدة، مع إرسال بيانات السيارة والموقع لحظيًا، وفي بعض الولايات، الشركات أصبحت ملزمة قانونًا بدفع تعويضات للضحايا.
- الهند
بعد حادثة اغتصاب مشهورة عام 2014 على يد سائق أوبر، فرضت الحكومة إلزامية:
• مشاركة موقع الرحلة Live مع شخص موثوق.
• تركيب زر SOS داخل التطبيق متصل بغرفة عمليات الشرطة.
• إجراء تدريب إلزامي للسائقين على التعامل مع الركاب، خاصة النساء.
- المملكة المتحدة
• هيئة النقل في لندن (TFL) علّقت ترخيص أوبر أكثر من مرة بسبب ثغرات الأمان.
• أجبرت الشركة على تحديث أنظمتها بحيث يتم رصد أي تصرف مريب أو تعطيل للتطبيق في أثناء الرحلة.
- دول أخرى
• في أستراليا وكندا: إلزام السائقين باجتياز اختبار نفسي دوري بجانب الفحص الطبي.
• في بعض دول أوروبا: إدماج شركات النقل الذكي ضمن قوانين سيارات الأجرة لضمان رقابة مباشرة من الدولة
◄ القانون موجود لكن أين التطبيق؟
القانون المصري رقم 87 لسنة 2018 الخاص بتنظيم خدمات النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات، ألزم الشركات المرخص لها بعدة ضوابط صارمة، أهمها:
• إخضاع السائقين لتحاليل المخدرات والكحوليات قبل منحهم موافقة التشغيل.
• التأكد من خلو صحيفة الحالة الجنائية للسائق، والتأكد من عدم صدور أحكام جنائية ضده.
• إخطار وزارة الداخلية ببيانات السائقين للكشف عليهم أمنيًا بشكل دوري.
• الحصول على موافقة وزارة الداخلية قبل التصريح لهم بالعمل فعليًا مع أي تطبيق.

هذه البنود واضحة وصريحة، الهدف حماية أرواح المواطنين وضمان أن السائق مؤهل وآمن. لكن الحوادث الأخيرة - من سائق تحت تأثير «البودر» يقود بسرعة جنونية، إلى آخر حاول الاعتداء على راكبة - تكشف أن ما بين نص القانون وواقع التنفيذ مساحة فراغ خطيرة.
◄ الركاب في خطر
بحسب التقديرات، يعمل في مصر ما يقارب 90 ألف سائق عبر تطبيق أوبر وحده، ويعتمد أكثر من 64٪ من المواطنين على خدمات النقل الذكي في تنقلاتهم اليومية. ورغم هذا الانتشار، شهدت الساحة عدة بلاغات أثارت جدلًا واسعًا، من بينها وقائع تحرش واعتداء عُرفت إعلاميًا بـ«فتاة الشروق» و«فتاة التجمع». أما في قضية حبيبة الشماع، فقد صدر حكم ابتدائي بالسجن 15 عامًا وغرامة 50 ألف جنيه بحق السائق قبل أن تُخفف العقوبة لاحقًا، في مؤشر واضح على أن سلامة الركاب ما زالت عُرضة لثغرات خطيرة.
اقرأ أيضا| فيديو صادم.. سائق نقل ذكي يقود في حالة غير متزنة ويثير ذعر المواطنين
ما بين قصة راكب نجا بأعجوبة من سائق مخمور، ومأساة شابة دفعت حياتها ثمن لحظة رعب داخل سيارة «ذكية»، يتضح أن الطريق لم يعد آمنًا كما يُسوَّق له. القانون موجود، لكنه بلا أنياب حين يغيب التطبيق والرقابة.
«سكة السلامة» التي حلم بها المواطن مع ثورة النقل الذكي، تحولت أحيانًا إلى «سكة ندامة» قد تنتهي في المستشفى أو المشرحة. يبقى السؤال مفتوحًا: من يضمن أن الرحلة القادمة ستكون مجرد مشوار عادي، وليست فصلًا جديدًا في سجل الضحايا؟ إلى أن يُجاب هذا السؤال، سيظل الراكب المصري يصعد إلى السيارة وبين يديه هاتف، وفي قلبه دعاء أن يصل سالمًا.


الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







