من على منبر الكنيست، أطلق الرئيس الراحل أنور السادات، نداءه الخالد إلى ضحايا الحروب بأن يملؤوا الأرض بترانيم السلام، مؤكدًا أن الأمل فى مستقبل أفضل أقوى من دوى المدافع، وعلى منبر الكلية الحربية منذ ثلاث سنوات، انطلق النداء على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسى، مؤكدًا أن أصوات السلام يجب أن تعلو فوق صرخات الأطفال وبكاء الأمهات، وأن السلام الحقيقى لا يتحقق إلا بحماية المدنيين وردع سياسات العقاب الجماعى والحصار.
وبين كلمات السادات والسيسى، رسالة واحدة، بأن مصر لم ولن تبحث عن الحروب من أجل المغامرة، لكنها خاضتها لتؤسس لسلام راسخ لا يُصنع بالهشاشة أو التمنى، بل بالقوة حتى لا يتحول إلى مجرد استراحة مؤقتة فى معركة أطول.
دفعت مصر ثمنًا باهظًا فى الحروب، لكنها أثبتت أن القوة على أرض المعركة هى التى تمنح قيمة حقيقية للتفاوض، وأن المنتصر وحده هو مَن يفرض إرادته مرفوع الرأس، وأن الحروب لم تعد دبابات وصواريخ فحسب، بل استراتيجيات أكثر خطورة تستهدف الوعى وتهدد المجتمعات من الداخل، لتصبح حماية الفكر والوعى الوطنى سلاحًا لا يقل أهمية عن حماية الحدود.
والتجربة المصرية تكشف عن معادلة دقيقة، بأنه لا سلام بلا قوة، ولا مفاوضات بلا أوراق ضغط حقيقية، والتاريخ أثبت أن المنتصر هو مَن يفاوض مرفوع الرأس، دون شعور بالنقص أو الضعف، لكن التحدى الجديد الذى يُواجه مصر والمنطقة، لا يقتصر على مواجهة الجيوش أو الأسلحة التقليدية، بل يتجسد فى أخطر صور الحروب الحديثة حروب الوعى.
لم تعد الحرب اليوم مجرد صراع على الأرض، بل على العقول وتستهدف الدول من الداخل عبر بث الفتن ونشر الشائعات وإضعاف الثقة بين الشعوب ومؤسساتها، و«الحروب الصامتة» قد تكون أكثر تدميرًا من المدافع والصواريخ، لأنها تفتك بالبنية المجتمعية وتُضعف مناعة الشعوب أمام التحديات.
ولم تدفع دولة فى المنطقة، ثمن الحروب كما تحملت مصر، ومنذ حرب ١٩٤٨مرورًا بالعدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، ثم حرب اليمن التى استنزفت خزينة الدولة بمليون جنيه يوميًا- وكان الجنيه وقتها يساوى ٢.٣ دولار- وصولًا إلى نكسة ١٩٦٧، ثم نصر أكتوبر المجيد عام ١٩٧٣، ظَلَّ الاقتصاد المصرى أسيرًا للاستنزاف.
وجاء السادات، ليكسر الجمود بسياسة «الصدمات الكهربائية»، فأعاد للجيش ثقته بنفسه، وأذهل العالم بالعبور، لكنه وجد نفسه أمام حرب أخطر «الحصار الاقتصادى»، وواجهت مصر ضغوطًا ومؤامرات للتجويع والتضييق، وحاول السادات تطبيق إصلاحات اقتصادية، لكنه واجه مشاكل كبيرة.
ومَرَّت العقود، ومع أحداث ٢٠١١، تكرر المشهد بصورة أكثر قسوة، اقتصاد يترنح تحت وقع الفوضى، ودولة مهددة من الداخل والخارج، وكما فعلت عبر تاريخها، صمدت مصر وتحدت المستحيل.
ثمن الحروب لم يكن فقط دماءً وشهداء، بل أيضًا سنوات طويلة ضاعت من عمر التنمية واستنزاف موارد الدولة، ورغم ذلك أثبتت مصر أنها قادرة على النهوض، وأن إرادة شعبها أقوى من الحصار والجوع والمؤامرات، ويبقى الدرس: لا يحمى مستقبل وطن إلا أهله.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







