صنع الله الذى أحسن كل شىء كتبه: لا زلت أكتب وفى نفسى صدى من «نجمة أغسطس»!

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


إبراهيم فرغلى


هناك كتبٌ أحببتها كما يُحب المراهق؛ ذلك الحب الخاطف من أول وهلة شغفٌ لا تفسير له، وتعلّقٌ يجعلنى أتوقف عند كل جملة كما كنت أتوقف أمام كل لفتة من قصة الحب الأول كنت أقرأ كما كنت أحب: بارتباك مُسكر وشغف لا يفسَّر وبكامل قلبي وأظن أن كل تجربة قراءتى لأعمال صنع الله إبراهيم جاءت على هذا النحو، وربما أن استعادة تجربة قراءتها أيضًا تذكرنى بتلك المشاعر. ولو حاولتُ مقارنة درجة قوة هذه المشاعر بين أعمال صنع الله إبراهيم نفسها، فربما تحلُّ  رواية «اللجنة» فى المقدمة، لأنها كانت أول عمل قرأته له، تليها «نجمة أغسطس» التى افتتنتُ بها كما يُفتن العاشق، افتتانًا حرفيًّا ولكنى لم أتوقف لأفهم سر هذه المشاعر من قبل، وربما حتى بعد أن أتممت قراءة كافة أعماله، باستثناء «شرف» التى لم يواتنى الحظ لقرائتها بعد، ولا أعرف لماذا. 

لكن أعتقد أن أعمال صنع الله إبراهيم بها شيء مدهش، ثمة لمسة من الغرابة التى تذكرنا بالطريقة التى قد يدهشنا بها كافكا فى أعماله أن يقدم تجربة تبدو عادية جدًّا، لكنها فى الحقيقة تتضمن شيئًا شديد الخصوصية شيئ يشبه أن تعرف رجلًا أو صديقًا يبدو متجهمًا بارد المشاعر، لكنه يفاجئك بما يُخفيه من مشاعر الحنان والرقّة التى لا يبديها لأحد. هذه حالة يمكن وصفها فى النص نفسه بأنه يبدو محايدًا، يرصد العالم بعين محايدة، بينما فى الحقيقة، ثمة انحياز ضمنى يتراكم فى طبقات متوالية من الوعى الذى يتولد من خلال سلوك الراوى أو الرواة. 

وعلى أى حال فلم تتح لى فرصة التعرف على طبيعة التناص بين رواية «اللجنة» وبين رواية «المحاكمة» لكافكا إلا بعد قراءة كافكا فى وقت لاحق على قراءة اللجنة لكنها بقيت نصًّا غريبًا، أو بالأحرى غير مألوف فى فكرته وتناوله وصولا لنهايته، والغرابة هنا نتاج الجدّة أو أساليب التجديد التى طرحها النص. فموضوع النص يجمع بين الواقعية وبين ما يمكن وصفه بواقعية جديدة تفترض حدثًا يشبه المحاكمة لكنه ليس كذلك بالضبط، ويتضمن مشاهد ساخرة مثيرة للضحك من سلوكيات البطل خلال وقوفه أمام اللجنة وتصديه لملاحظاتها واستفساراتها.  بالإضافة للأجواء الكابوسية التى تغلف المجال العام لهذه المحاكمة الغريبة  والمهم هنا أن قراءة «اللجنة» كانت سببًا لقرارى أن أقرأ كل ما يمكن لى قراءته من أعمال صنع الله إبراهيم. 

وبحثت عن أعماله آنذاك فاقتنيت النص الشهير «تلك الرائحة» الذى رسخ لدى المشاعر التى وصفتها قبل قليل عن تناقض التجهم مع رقة المشاعر الباطنية. التجهم الذى يعادله تقشف اللغة والوصف الواقعى إلى حد الفجاجة من دون مبالغات أدبية أو زخرفة لغوية، بطريقة تترسب من خلالها المشاعر والأفكار تدريجيًا حتى تصل لذروتها. طبعا مع الانشغال بالأساطير والنمائم التى حامت حول النص، فهو النص الذى كتب عنه يحى حقى واصفًا انزعاجه من بعض العبارات التى أصابته بالتقزز، على حد تعبيره، بينما كان موضع إعجاب كبير ومطلق من يوسف إدريس. ولكن هذه القصة الطويلة، أو النوفيلا، كانت، منذ أولى قراءتها، تنير لى مساحة جديدة تماما للكتابة؛ حيث كنت أتطلع آنذاك لكتابة القصة ووجدت فى هذه القماشة السردية غواية كبيرة. 

وخلال تلك الفترة صدرت عن دار الهلال روايته الأحدث «ذات»، والتى أنتجت أو جسدت أيضًا شكلا سرديا لم يسبق أن رأيت مثيلًا له، من خلال التوازى بين التخييل التام فى فصل، والتوثيق بالاتكاء على الأرشبف ومانشيتات الصحف فى فصل لاحق فهذا البناء الغريب خلق حالة أو ربما حالات متباينة لقراءة النص.

فقد قرأ البعض كلا المكونين؛ أى التخييل والتوثيق، بشكل دقيق للوصول إلى ما يبتغيه المؤلف، وكنت من بين هؤلاء القراء مع ذلك، ففى بداية القراءة، ساورنى شعور بأننى يمكن أن أقرأ الفصول التخييلية فقط من دون الحاجة لقراءة الوثائق، لكنى تبينت أن ذلك لا يصل بنا لشئ لأن الحالة التى تتولد بسبب توالى قراءة هذه العناوين هى التى تُدخل القارئ فى الحالة النفسية والاجتماعية التى يعيشها أبطال العمل وخصوصًا البطلة الرئيسة «ذات» وهكذا وجدت أن النص لا بد أن يُقرأ كما أراد له مؤلفه. 

لم أقرأ «نجمة أغسطس» إلا فى عام 1997 حسب ما أذكر، ربما لأنها لم تكن متاحة، وحين توفرت وقرأتها أدركت أننى وقعت فى غرام هذا النص حتى أذناي نعم، وقعتُ فى غرام «نجمة أغسطس» كما يقع المراهق فى حبّه الأول: لا أعرف كيف ولا لماذا، لكننى وجدتنى مأخوذًا بالكامل.

كان الإيقاع السردى أول ما أغواني، بشذراته الجافة الصارمة، بلغته المتقشفة التى لا تساوم،  فى ظل انضباط داخلى صارم ثم تسلل إليّ الجو العام لمنطقة السد العالي: جفافها، عزلتها، ثم البشر المعلقون بين مشاريع قومية جبارة وشقاء فردى يومى لا يُرى.

كان هذا العالم المدهش يتشكل تدريجيًا، وصولًا إلى المساحة النائية المرتبطة بعلاقة الراوى بتلك الفتاة الروسية التى تظهر فى النص ككأس ماء بارد فى صحراء قاحلة لم تكن مجرد امرأة أجنبية فقط، بل تجسيدًا لزمنٍ آخر، أو بالأحرى لأكثر من زمن، لعلاقة مثقلة بالتاريخ والحلم والإخفاق، بين عالمين أو ثقافتين متقاربين ومتباعدين فى نفس الوقت. 

أما الفصل الثانى فكان الدرس الحقيقى. فصل التشظي. فصل القصّ المتناثر الذى لا يُروى دفعة واحدة، بل يُلتقط كما تلتقط ذاكرة مُنهكة صورًا من حياة مضطربة. شعرتُ أننى أمام سرد ما بعد حداثى مصري، لا يقل جسارةً عمّا قرأت لاحقًا فى بورخيس أو بول أوستر أو كالفينو طبعا لاحقا سأفهم أيضا أن الأمر يخضع لبناء سردى يستلهم طبيعة بناء السد العالي لكن أظن أن ذلك التشظى علّمنى شيئًا ما. أو أنار لى دربًا من دروب الكتابة على نحو أو آخر. تعلمت مثلا كيف أُخفى وأُظهر، كيف أترك فراغًا للقارئ ليكمل النص بنفسه. كيف أبحث عن سبل لبناء سردى غير تقليدى يؤسس علاقة بين الشكل والمضمون ولعلنى لا زلت حتى اليوم، بعد أعوام من القراءة والكتابة، أكتب وفى نفسى صدى من «نجمة أغسطس». 

تعرفت على صنع الله، الأستاذ طبعًا، بشكل شخصي، على ما أذكر، فى مطلع عام 1998 وتبينت مع أولى لقاءاتى به أن شخصيته تشبه كتابته. لا يقول لك شيئًا مباشرًا يخص شخصه ويغلف رهافته بما قد يبدو برودا أو لونا من تحييد المشاعر لا يخلو من دماثة مع ذلك. يفضل أن تتحدث عن نفسك إن شئت، لا أن تبدى اهتمامًا مبالغًا فيه بشؤونه فأنت فى نظره دائما: الأولى بالرعاية. 

خلال تلك الفترة أصدر كتاب «يوميات الواحات» وهى تجربة يوميات السجن التى كتبت على ورق السجائر وتم تهريبها خارج السجن فى وقت لاحق. وكانت رغم طابعها التوثيقى تملك روحا أدبية لعلها نتاج الأسلوب الذى رسخه صنع الله فى أعماله التى تمنح الإحساس بأنها مزيج من توثيق يوميات فى طابع أدبى بحت. 

عندما تعرفت عليه كنت عائدا لتوى من مسقط بعد رحلة عمل استمرت تقريبا ثلاث سنوات، لكنها جاءت امتدادا لسنوات أخرى فى الصبا وفى المراهقة عشت خلالها فى السلطنة. لكن هذه المعلومة لم يعرفها عنى إلا فى وقت لاحق ربما فى منتصف عام 1999. 

 اتصل بى وأخبرنى أنه يحتاج إلىّ فى موضوع وعندما ذهبت إليه فى شقته التى يسكن فيها مع زوجته السيدة العظيمة، نادية، رحمة الله عليها، وجدته يستقبلنى وفى يده جهاز تسجيل صغير، وقال ضاحكًا أنه سوف يستجوبني كان يكتب رواية «وردة» التى تدور أحداثها فى سلطنة عمان، وتتناول بعض أحداثها فترة ثورة ظفار فى نهاية الستينات. 

كان هناك جانبًا سرديًّا يدور فى الزمن المعاصر، وأراد ان يتعرف على بعض التفاصيل الخاصة بالحياة اليومية فى مسقط طبيعة الانتقال بوسائل النقل العامة، الطباع العامة للعمانيين والسلوكيات، الحياة اليومية للشباب، قيمة بعض الأغراض، أو قيمة التنقل باستخدام سيارات الأجرة أو وسائل النقل العام وغير ذلك. 

عندما صدرت الرواية أسرعت فورا لاقتنائها وقرائتها، ليس فقط بفضول البحث عن مواضع استعانته بى، ولكن بسبب توقى للتعرف على الكيفية التى رأى بها مسقط، فهى بالنسبة لى موطن طفولة ولدى محبة كبيرة لها ولأهلها. وأظننى قرأتها بانحياز شديد من البداية ولم أتفهم بعض الانتقادات التى وجهها إليها بعض الكتاب. 

 وأدركت آنذاك أنه بات كاتبًا من كتابى المفضلين، من دون أن أعود لقراءة «شرف»، رغم ذلك، ولا أعرف متى سأقرأها.  

ثم ثارت ضجة كبيرة فى القاهرة خلال الدورة الثانية لجائزة الرواية العربية التى كانت قد انطلقت فى القاهرة وفاز بها فى دورتها الأولى الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف. أما فى هذه الدورة فبعد أن أعلن اسم صنع الله فائزا بها، بعد شائعات كثيرة ونمائم وأخبار شاعت طرحت أسماء أخرى من الكتاب المصريين، وصعد صنع الله للمنصة بالفعل، بعد فاصل من التصفيق استمر لدقائق طويلة.

بدأ فى إلقاء كلمة بشكل هادئ، تصورنا أنها رسالة شكر للقائمين على الجائزة، ثم تصاعدت تدريجيًا إلى خطاب ثورى رافض لسياسات الدولة ونهجها، وأنه بناء على ذلك يعلن رفضه للجائزة وسط تصفيق حاد من الجمهور، الذى ظل يصفق له لدقائق عديدة فى الحالتين! 

وتتابعت الأعمال فى تلك الفترة «أمريكانلي» التى استقبلت استقبالًا كشف طبيعة الشعبية التى يحظى بها الكاتب الكبير، وأيضًا لعدد من مفارقات العنوان نفسه الذى يحيل إلى أمريكا من جهة، وهو بالفعل يدور حول أكاديمى مصرى يذهب للتدريس فى أمريكا، ولكن أيضا العنوان يمكن قراءته «أمرى كان لي» مما يكشف نزوع النص لبحث وتأمل العلاقة بين الشرق والغرب وفكرة التبعية للغرب، وهو ما يبدو أنه سيكون مثار تركيز واهتمام منه فى أعمال أخرى مثل «العمامة والقبعة»، و«الجليد»، و«برلين69». التى استلهم فيهما تجربتى دراسة وسفر له فى كل من روسيا وبرلين. 

أدركت أنه رسخ أسلوبا خاصا أمكن له به أن يتناول أفكارا متباينة بما فيها الرواية التاريخية كما أنه قدم فى الفترة التى أعقبت «أمريكانلي» رواية «التلصص»، التى بدت كمزيج من التخييل والسيرة الذاتية، واختار للبطل أن يكون فى عمر الصبا ما منح النص لونًا من العفوية والطزاجة، إضافة إلى نزعة تجريبية فى الأسلوب من خلال تكثيف الجمل بحيث لا تزيد أى جملة عن ثلاث كلمات، مشكلا إيقاعا منتظما للنص. 

ومع الأسف، حال سفرى إلى الكويت من التمتع بعلاقات كثيرة كانت تجمعنى بأصدقاء وأحباب فى القاهرة، خصوصًا علاقتى بأستاذ صنع الله، لأنه كان يسكن، آنذاك، قريبًا من سكنى الذى سكنت فيه عقب زواجى، فى مصر الجديدة، كما أنه الكاتب الوحيد الذى حضر حفل زفافى مع السيدة العظيمة الأستاذة نادية، رحمة الله عليها بالإضافة إلى أننى أجريت معه، بطبيعة الحال، عددًا من الحوارات الصحفية نشرت فى مواضع عديدة، وأشهرها الحوار الذى نشر فى ملحق النهار البيروتى عقب رفضه لجائزة الرواية. 

ولعل الكتاب الثانى الذى تأخرت فى قراءته من بين أعماله مع «شرف»، هو رواية «بيروت بيروت»، ولكنى قرأته قبل عدة سنوات على أمل محاولة فهم «لوغاريتم بيروت»، من خلال كتابة عين خارجية عن لبنان ترى الأمر من منطقة محايدة تمامًا. وربما يكون وضح بعض الأشياء لكنى تبينت أن المسألة عويصة جدا فى كافة الأحوال. 

أقول أن ظروف سفرى إلى الكويت باعدت بين فرص اللقاء به للأسف خلال السنوات الأخيرة، لكنه يظل صديقًا، ومعلمًّا وأستاذا، والأهم: كاتبًا استثنائيًّا كبيرًا، خصوصًا على مستوى الأسلوب، ونموذجًا للكاتب المستقل تمامًا من البداية وحتى آخر كتاب لم ينتم لمؤسسة أو جهة وعاش متفرغًا للكتابة بشكل تام، وهو ما ساعدته على تحقيقه السيدة نادية أيضا. 

كاتب عظيم وإنسان عظيم، بلا أى شك، وأشعر بأننى كنت محظوظًا أننى تعرفت عليه، وأنه كان بين أبرز روافد إلهامى فى الأدب والحياة.