صنع الله إبراهيم وإسبانيا: من نسالة الذاكرة

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


د. خالد سالم

فى مشهد أحاول فيه نسج سجادة بديعة من نسالة الذاكرة، زربية عربية نسج خيوطها نفر آمنوا بجدوى مد جسور تواصل بين ضفتى البحر المتوسط فى ظروف مواتية سنتئذ، لكن أحداث السنين الأخيرة خيبت الآمال وأضعفت صدى تلك الجهود فى الساحة الإقليمية، بعد أن فقدت أوروبا روحها فى محنة غزة القائمة، التى صنعتها روح مقولة كيبلنغ «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا».

فى زمن تلك الأحلام الذاتية، شهدت إسبانيا اهتمامًا بالأدب العربى الحديث على إثر فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وبذلك خرج الأدب العربى من دائرة الإستعراب الإسباني، المقصورة على أقسام اللغة العربية، فترجمت أعمال كثيرة، على رأسها حائز النوبل جلها، وأخرين من مصر ودول عربية كثيرة كان صنع الله إبراهيم وجمال الغيطانى  ضمن القائمة الطويلة . عشنا حالة من النشوة، الشعور بأن لنا أدبًا يُعتد به، وتتسابق دور النشر على  ترجمته.

كانت نوبل الأدب العربى اليتيمة فأل خير على نتاج آداب العربية، وكذلك بعض الدراسات المتعلقة بالفكر العربى والإسلامي، بدءًا  من المغرب، مرورًا بتونس وليبيا ومصر وفلسطين وسورية وصولاً إلى العراق.

السياق الجديد جعلنا نعيش  حالة زهو، لا يدركها إلا من عاش فى الغرب وكابد الإهمال لما هو إيجابى فى عالمنا العربى والتركيز على كل سلبي. رأينا فى هذا الحراك الترجمى والإهتمام الأكاديمى والإعلامى رد اعتبار لأدب ثرى يعلوه غبار إهمال الغرب المتعمد لدواعٍ سياسية تغوص فى مركزية الذات الأوروبية التى لا ترى سوى نفسها ومن والاها ودار فى فلكها الغربي.

كان النتاج الأدبى العربى حبيس دائرة الإستعراب، فلم تكن ترجمة أعمال عربية تزيد على أيام الشهر، ويعود الفضل فى ذلك إلى المستعرب الفاعل سنتئذ بدرو مارتينيث مونتابيث الذى عاش وهج الحقبة الناصرية فى القاهرة، فى نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، فكان أول من ترجم نجيب محفوظ وآخرين حمل أعمالهم فى خُرجه الثقافى عند عودته إلى مدريد فى العام الرابع من العقد السادس.

    فى خضم ذلك الحراك والنشوة إقتُرحت أسماء كثيرة لترجمة أعمالها، فكان لها ذلك خلال التسعينات وتبارت دور نشر لها ثقلها فى ترجمة الأدب العربى المغيب، وكأن العلاقة كانت قد تجمدت عند الحقبة الأندلسية.

كانت جهودًا فردية متناثرة يضطلع بها غالبًا مستعربون إسبان وبعض العرب المقيمين فى إسبانيا. فى ذلك السياق كان قد سطع نجم الكاتب الإسبانى خوان غويتصولو من منفاه الطوعى بين باريس ومراكش، فاقترب من الثقافة العربية وأدابها، فطُرحت فكرة مشروع دار ليبرتارياس فى مدريد وبدء سلسلة «كلمة» لترجمة أبرز أعمال الأدب العربى المعاصر إلى الإسبانية.

كان مشروع دار ليبرتاريس قد ولد قبل حصول محفوظ على النوبل بعام تقريبًا،  إلا أن الإجراءات الإدارية والإمداد أدت إلى تباطؤ فى بدء التنفيذ شهورًا فكانت مفاجأة نوبل نجيب محفوظ، ما رفع أسعار حقوق الملكية الفكرية للكتاب العرب، وعلى رأسهم نجيب محفوظ، لكن الناشر أنطونيو ويرغا والكاتب خوان غويتسولو، صاحب الفكرة، أصرا على البدء، وكان لى دور فى الحصول على هذه الحقوق مجانًا من بعض الكتاب المصريين، من بينهم صنع الله  إبراهيم. أما نجيب محفوظ فقد تعقدت الأمور جراء استئثار الجامعة الأميركية بهذه الحقوق ومضاعفتها إياها. وكنت قد سُميت مستشارًا لدار النشر هذه، واختيرت أسماء كتاب لترجمة بعض أعمالهم، أتذكر من بينهم إدوار الخراط، أدونيس، زكريا تامر، محمد المديني، محمد زفزاف، وهشام جعيط الذى تُرجم له كتابه المهم «أوروبا والإسلام»، وآخرين كثيرين.


كانت رواية «اللجنة» باكورة الأعمال التى تُرجمت لصنع الله إبراهيم، نُشرت عام 1991، وعلى رأس الكتب التى صدرت ضمن سلسلة «كلمة»، ثم تلتها أعمال أخرى، فأخذ يُدعى  المؤلف لندوات ولقاءات أدبية، كنت وراء بعضها أخذ يتنامى الاهتمام بسرد مؤلف «بيروت، بيروت» و«ذات»، وقُورن أسلوبه السردى بأسلوب صاحب «مائة عام من العزلة»، رغم أن الروائى المصرى لم يقرأ الكولمبى إلا بعد فوزه بنوبل الآداب عام 1980، ولا العكس.

جاء هذا المشروع الذى اضطلعت به دار ليبرتاريس، لصاحبها سنتئذ أنطونيو ويرغا، تحت شعار عربى «كلمة»، وكانت اختيار اللفظ موفقًا فى سياق مشترك، ففِى الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، بغية مد جسر جديد بين الأدب العربى والمتلقى الإسبانى والأميركى اللاتينى ونصب العين التراث المشترك ممثلاً فى الأندلس.

كنا نحلم ونريد نجاحًا لمشروع وليد، فوضع كل واحد منا ما لديه من جهد وامكانات، فما كان لصنع الله إلا أن يتنازل عن حقوق الملكية الفكرية، فى مخابرة هاتفية بينى وبينه، لم تَدم كثيرًا، إذ استجاب مباركًا هذه الخطوة، ولم يتأخر خطاب تنازله فى الوصول إلى مدريد.

ومن يعرف العظيم صنع الله إبراهيم وزهده فى الحياة وأسلوب حياته وفكره السياسي والاجتماعى لا يستغرب هذا التصرفالحقيقة أن هذه الميزة، ممن تعاملت معهم فى مشروعات ثقافية، يتقاسمها معه جمال الغيطاني، ولنا جولات من أجل الحضور المصرى والعربى فى إسبانيا، ندُر حدوثها، أو عُدمت.

كانت حمية الشباب تحملنى إلى السعى لتقارب واجب بين ضفتى المتوسط، عكس روح مقولة روديارد  كيبلنغ السارية فى الشمال، أن الشرق شرق والغرب غرب  ولن يلتقيا، لكن الواقع المؤلم فى علاقة الغرب مع العرب أثبتت عكس نواياى الطيبة، وها نحن نشهد تصفيتهم لأهل غزة وكلها أمور طفت على السطح فى مواقف ومقابلات صاحب «تلك الرائحة». ولا أظن أنه لا يزال يعيش أحلام اللقاء بيننا وبينهم.

وهنا تحضرنى طرفة إذ كنت أعد ملفًا لجريدة «أخبار الأدب»، بينما كان جمال الغيطانى يرأس تحريرها، حول المستعرب الإسبانى بدرو مارتينيث مونتابيث، ما حملنى على الاتصال بكتاب وزملاء من الجامعات المصرية والإسبانية كانت المفاجأة أن أحد أبرز المشاركين فى الملحق، وهو كانت مشرقى كبير، أرسل لى صورة ضوئية من مقاله، وضنّ عليّ بالأصل! قراءتى كانت أنه لا يريد أن يُباع النص الأصلى يومًا ما! المقال كان يقطر شعرًا لكنى دُهشت من تصرف هذا الشاعر الكبير. الأحلام كانت كثيرة، وتحقق جزء لا بأس منها.

كانت رواية «اللجنة» فاتحة خير، بدء علاقة سيالة بين صنع الله إبراهيم وإسبانيا، ما ملأنى زهوًا، ورضى عن الذات والنظر إلى العلاقات الثقافية بين مصر وإسبانيا وكلى أمل فى تغيير لصالح الثقافة العربية بصفة عامة فى هذا البلد الذى نتقاسم معه ماضيًا فريدًا فى تاريخ البشرية، ولا يزال ماثلاً رغم براثن الصهيونية ودعاوى اليمين المتطرف بطمس الحضور العربى التاريخى فى إسبانيا.

أخذت رقعة النشاط الترجمى تتسع ويضاف إليها كتاب جدد ممن يكتبون بالعربية  فتوالت ترجمة أعمال أخرى لصنع الله، من قِبل دور نشر يشرف عليها مثقفون مستنيرون، أدركوا أهمية هذا الأدب الذى كان مغيبًا لظروف عدة دُعى صاحب «أمريكانلي» عدة مرات إلى إسبانيا لتقديم  النسخة الإسبانية من روايته، كما دُعى للمشاركة فى مؤتمرات وندوات، كانت حاضرًا فى معظمها.

وهنا تحضرنى واقعة محرجة، فبينما كان يلقى بحثه عن ظاهرة الحجاب، التى كانت تستفحل فى مصر يومًا بعد يوم، مشيرًا إلى أن الحجاب زُج به إلى مصر بتأثير التيار الوهابي، كما أنه لا يمت للإسلام بصلة خطاب صنع الله كان معتدلاً وهادئًا، لكن لسوء الحظ كان بين المتلقين أحد الزملاء الذين سافروا إلى إسبانيا لإعداد الأطروحة فى جامعاتها، لكنه آثر البقاء هناك وتحول إلى الترجمة وتدريس اللغة العربية. كان سنتئذ معيدًا فى معهد اللغات والترجمة -كلية لاحقًا-، فى جامعة الآزهر، ومعروفًا بغيرته المتطرفة والمصطنعة على الدين. كان يجلس فى مقصورة الترجمة الفورية وعلامات الغضب تعلو وجهه من خطاب صنع الله إبراهيم وعندما انتهى من الترجمة قصدنى كالسهم محتدًا وأخبرنى أنه «سينال من الروائى جراء أفكاره العلمانية!» وصلت قلة الذوق إلى أن استهجن اسمه، بدلالته الدينية، يتعارض مع أفكاره هذه. حينها شرح توجه إلى فى حديث يشرح  كيف أن والده احتار فى اختيار اسم للوليد فكان له أن فتح القرآن ووقعت عيناه على صنع الله، دون أن يعير ذلك المترجم المصرى أهمية، ثم رحلنا.

أبلغ صنع الله باعتراضه على بحثه حول الحجاب، وبهدوئه المعهود وثباته فى مواقفه وأفكاره، نصحه بأن يطلع على النص القرآنى جيدًا، وعلى التفاسير التى لم تخرج من عباءة شيوخ السلطان لكن المترجم الفوري، المعيد سابقًا، لم يقتنع بكلام الروائي، ثم صب جام غضبه عليّ، متهمًا إياى بأن وراء دعوته للمشاركة فى المؤتمر، وكان هذا منافيًا للحقيقة.

عندما خفتت الأضواء عن الأدب العربى وتضاءل الاهتمام بترجمته عاد نتاج صاحب « إنسان السد العالي» إلى الساحة بعد الضجة العالمية التى أثارها رفضه لجائزة الرواية العربية عام 2003، فكان بمثابة صفعة لنظام مبارك، الخبر الذى أفردت له الإعلام الإسبانى مساحة، ووصفوا خطابه أمام فاروق حسنى وجابر عصفور وأعضاء لجنة التحكيم بالأسطورى ووصفه بعضها بالبطل.

لم يتوقف مسلسل ترجمة أعمال صاحب «وردة» إلى  اللغة الإسبانية، لعل من بين أبرزها «لعبة إستغماية» «التلصص» التى نشرتها دار الشرق والغرب عام 2013، وقُدمت فى البيت العربى فى مدريد.

آخر عمل له تُرجم إلى اللغة القشتالية كانت رواية «ذات»، فى عام 2014، من قِبل دار نشر «ليبروس لا بيينا»، التى أسستها مجموعة من قدامى طلاب جامعة مدريد أَوتونوما، وكانت من بواكير مشروعها فى الترجمة والنشر.

شهدت قاعة طه حسين فى المعهد المصرى فى مدريد تقديم بعض أعماله، كان أبرزها رواية «اللجنة» بمشاركتى أنا والناشر أنطونيو ويرغا، وحضور صاحب «نجمة أغسطس»، بينما كان المعهد المصرى منارة مصرية عربية فى سماء إسبانيا، قبل أن يُجمد فى السنوات الأخيرة، ففقدنا صرحًا كان قبلة للمستعربين والعرب فى إسبانيا ومقرًا لأنشطة ثقافية جاذبة لجمهور كان يملأ قاعة طه حسين والسلم والردهة المؤدية إلى البوابة.