وجدانيات

«رغيفنا» الأفضل فى العالم

محمد درويش
محمد درويش


منذ عقدين أو ربما ثلاثة التقيت بالأستاذ الدكتور أحمد خورشيد الذى كان مسئولا آنذاك عن مركز بحوث الخبز التابع لمركز البحوث الزراعية، حكى لى د. خورشيد أن المركز شارك فى معرض للخبز يقام سنويا فى فرنسا وأنه اصطحب معه سيدتين من الريف أو ما نطلق عليهن «ملح الأرض» وأصحاب «النفس» فى إعداد الغذاء وهو تعبير يطلق على كل ما تصنعه ربة بيت من طبيخ - أو حتى حلويات - شهى جدا علاوة على رائحته التى تملأ المنزل كله وربما تتعداه إلى منازل أخري المجاورة، ويقال عن هذه المهارة أن لصاحبتها «نفس» فيما تقوم بإعداده من طعام وذلك على عكس آخريات من ربات البيوت اللاتى يقمن بإعداد الوجبات ويمكثن فى المطبخ بالساعات ويستخدمن نفس المقادير دون زيادة أو نقصان ورغم ذلك تعاف النفس أن تلتهم ما أعددنه بمجرد تذوق لقمة واحدة منه.

واللقمة هنا هى المجتزأة من رغيف الخبز أو رغيف العيش كما يطلق عليه المصريون وربما نكون نحن البلد الوحيد فى العالم الذى نطلق على الخبز «رغيف العيش»!!

وعود إلى المشاركة المصرية فى هذا المعرض الفرنسى الذى نشرت عنها خبرا آنذاك مصحوبا بصورة السيدتين وهما تقومان بالعجين فى «الماجور» وهو لمن لا يعرف إناء فخارى كبير يتم إعداد عجينة الخبز فيه وتركه ليتخمر ثم تقسيمه إلى أرغفة توضع فى طاولات خاصة إذا كانت ربة البيت من سكان المدينة ليحملها «الفران» إلى الفرن وتسويته وإعادته إلى صاحبته ليوضع فى «المشنة» وهى وعاء دائرى مصنوع من الخوص تحفظ فيه الأرغفة على مدار أيام ولا يصيبها عطب من أى نوع.

قامت لجان الخبراء بتقييم كل منتجات الخبز التى قدمتها كل وفود الدول المشاركة ليفوز الرغيف المصرى بالجائزة الأولى متفوقا على كل ما عداه سواء من دول الشرق أو الغرب.

د.خورشيد قال لى بكل زهو: كنت أتوقع هذه النتيجة من خلال متابعتى لمنتجات الدول المشاركة وكنت على يقين أن رغيفنا المصرى هو الأفضل طبقا للاشتراطات الصحية والعناصر الغذائية التى يحتويها.

جالت بخاطرى هذه الواقعة وأنا أتابع على مواقع التواصل مصريين يعيشون فى أمريكا ويعبرون عن فرحتهم بتواجد منتجات  من رغيف العيش المستورد من بلادنا فى أقسام بيع المواد الغذائية بسلسلة من المتاجر الكبرى. 

لا أعرف من صاحب هذه الفكرة العبقرية وهل يقوم بتصنيعه آليا أم يستعين بملح الأرض اللاتى يتقن صنعه ويعرفن خباياه.

وإذا كان رغيف العيش المصرى على طريقه لاسترداد عرشه حتى لو كان خارج البلاد، إلا أن ما نتمناه أن يستعيد عرشه داخل مصر بالعيش «الطرى والملدن» بدلا من العيش «السحلة» الذى كان لا يلتفت إليه أحد وأصبح فى غياب «الاتقان» هو المفروض علينا.