قضية ورأى

حينما تصبح البنوك الإسلامية أداة نفوذ عالمى

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


هل لعبة الصهيونية العالمية التى تستحوذ على أموال المسلمين ستستمر طويلاً؟

«أموال الشريعة.. هل تخدم العالم الإسلامى أم خصومه؟»

كنا قد تناولنا فى مقالات سابقة تحليل كتاب «اليهود، العالم، المال» للمفكر الفرنسى جاك أتالي، حيث وقفنا عند عدد من النقاط الجوهرية حول علاقة اليهود بالربا وهيمنتهم المالية، واليوم نواصل هذا المسار التحليلى لنبرز كيف انعكست تلك الممارسات على الواقع المعاصر.

 أحد أبرز مظاهر ذلك هو موقفهم من قضية الربا؛ إذ يُحرم التعامل به بين اليهود أنفسهم، بينما يُعد حلالاً فى تعاملاتهم مع الآخرين، وهو ما يُستخدم كأداة لإشعال الفتن بين الشعوب. وليس من شك أن المتتبع لتاريخ العلوم وفلسفتها يجد أن من وضع نظرية البنوك بصفة عامة هم اليهود، حيث قامت فلسفة البنوك على كونها وعاء لتلقى الأموال من المودعين، وإعادة طرحها للمقترضين والمستثمرين لتمويل أنشطة واستثمارات قصيرة الأجل، والربط بين هؤلاء وهؤلاء بالعائد والتكلفة.

ومهما اختلف المسمى ومهما اختلفت الآراء الفقهية طبقاً للشريعة الإسلامية (فيما يتعلق بالفوائد والربا) - التى لم تُحسم حتى هذه اللحظة - يظل اللافت للنظر أن نشأة وتطبيق البنوك وفقاً للشريعة الإسلامية جاء بعد محاولات لم تلقَ نجاحاً من السيد أحمد النجار رحمه الله، بينما كانت الحركة اليهودية العالمية هى السباقة فى تطبيق وإنشاء تلك البنوك فى الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، واليوم تستحوذ هذه المؤسسات على نحو 80% من المحفظة الإسلامية، وهى محفظة تسهم فى بناء اقتصاديات تلك الدول وما ينشأ عنها من نهضة وعمران وفرص عمل، مع المفارقة المؤلمة أن تلك الأموال - التى تسير ظاهرياً وفق الشريعة - تُستَخدم فى الوقت نفسه لتدمير العالم الإسلامى وإشعال الأزمات والفتن، كما يحدث فى غزة وغيرها.

وتشير المشاهدات إلى أن هذه الأموال فى تلك البنوك لن تُدار طبقاً لقواعد الشريعة وإن بدا ظاهرها كذلك، فوجود لجان شرعية كثيرة لا يتجاوز غالباً استيفاء الجانب الشكلي، والمقصود هنا: هل من المعقول أن تكون البنوك التى تعمل فى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإنجلترا، خاضعة فعلاً لروح الشريعة وأهدافها إلى جانب إدارة الاستثمار والتعامل مع المودعين؟.. أشك فى ذلك.

وما زلنا نحن كباحثين مسلمين لم نجتهد بعد بما يكفى لحسم مسائل جذرية فى هذه القضايا، أبسطها معدلات الخصم التى تعكس مستوى المخاطر، والتى تمثل الأساس فى معظم الأعمال البنكية، بينما شُغلنا بقضايا هامشية فى الوقت الذى استُولى فيه على أموال المسلمين فى أنحاء العالم.

ومن زاوية اقتصادية بحتة، تكشف أحدث التقارير عن حجم واتجاهات سوق التمويل الإسلامى حول العالم: فى أمريكا الشمالية بلغ حجم سوق التمويل الإسلامى سنة 2024 حوالى 1٫005.68 مليار دولار، ويتوقع أن تصل إيراداته إلى 327.017 مليار دولار فى 2025. 

وفى فرنسا بلغ حجم السوق حوالى 69.39 مليون دولار عام 2024، كما تضم البلاد 6 صناديق استثمار شرعية بإجمالى أصول قدرها 147.2 مليون دولار، وتشهد توسعًا فى منتجات الإيداع والتمويل الإسلامي، مع استمرار الحكومة الفرنسية فى إصدار تشريعات جديدة لتسهيل الاستثمار والادخار الإسلامي.

وفى المملكة المتحدة وصل حجم سوق التمويل الإسلامى إلى 126.72 مليون دولار عام 2024، وهى تُعَد الأكبر أوروبيًا من حيث أصول البنوك الإسلامية التى بلغت 7.5 مليار دولار عام 2021. وتضم عدة بنوك إسلامية رئيسية توفر منتجات متنوعة تشمل الأفراد والشركات، إضافة إلى وجود صناديق استثمارية شرعية.

وقُدّر حجم السوق عام 2024 بحوالى 149.34 مليون دولار فى ألمانيا، مع وجود منتجات استثمارية مثل مؤشر WestLB الإسلامى للأسهم، إضافة إلى تمثيل قوى فى الصكوك والتعاملات الإسلامية عبر البنوك المحلية وشبكات البنوك المختصة. 

أما ماليزيا فتُعَد من أبرز المراكز العالمية للتمويل الإسلامي؛ حيث بلغت القيمة الإجمالية لسوق رأس المال الإسلامى فى الفترة من يناير إلى أكتوبر 2024 حوالى 25.58 تريليون رينغيت ماليزى (يعادل تقريباً 5.84 تريليون دولار أمريكي). بينما تُقدَّر أصول البنوك الإسلامية هناك بنحو 168.4 مليار دولار أمريكي، أى ما يمثل حوالى 25% من إجمالى أصول البنوك المحلية وأكثر من 10% من الأصول الإسلامية عالميًا، والآن نطرح تساؤلاً هاماً، هل لعبة الصهيونية العالمية التى تستحوذ على أموال المسلمين ستستمر طويلاً؟