د. حمزة قناوى
يشق علىَّ كثيراً أن أكتب هذا المقال فى رثاء أستاذى صنع الله إبراهيم لا شىء باقياً يجيد العزاء إن شبابى بأكمله، ووعيى المُحرَّض، وتكوينى المعرفى، وأفكارى للرفض وقيمته واليسار وإيمانى به.. تغادر العالم الآن بحزن هائل. أكتب بين المصدق والمكذب خبر رحيله، وبينى وبينه الآن آلاف الأميال لم نفترق أبداً .
إن كانت لى محاولة فى ترك بصمة على الأدب أو تمثيل جيلى أدبياً، فإن معظم الفضل فى ذلك يرجع للأستاذ صنع الله إبراهيم، الذى عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاماً. كانت مفارقةً غريبةً أن يصبح هذا الطالب النحيل الخجول ، الذى يتعرف على عالم الأدب فى سنواته الأولى، رفيقاً ملازماً لأكبر روائيٍ فى مصر والعالم العربى، دون أن يكون لدىَّ ما أقدمه له، لا شىء سوى أن أتعلم منه، وأستمع له، وأندهش، ويتبدل العالم فى أعماقى بتحولاته الهائلة.
كنت طالباً فى السنة الأولى الجامعية، أستقل المترو، فى صيف 1996، وأنا أنقل كتب الجامعة من يدٍ لأخرى فى زحام الرُكّاب، حينما بدا لى وجهٌ شديدُ الألفة بين الوجوه، حدست أننى أعرفه أو رأيته من قبل، أخذت أحدّق فيه وأنا أتذكر، وعندما توصلت إلى أنه قد يكون صنع الله إبراهيم، كذّبت نفسى، فما الذى سيجعل روائياً شهيراً وذائعاً يحشر نفسه بين جموع ركاب المترو؟ (هكذا كانت فكرتى عن الكُتَّاب المرموقين فى تلك الفترة!) ترددت طويلاً قبل أن أتحرك نحوه فى الزحام وأنظر إليه مستفسراً، فانتبه إلىَّ. أخذ يتأملنى بعينين مرتابتين. سألته مباشرةً بصوتٍ حاولت أن يعلو على هدير عجلات المترو: «حضرتك الأستاذ صنع الله إبراهيم»؟ عاد يتأملنى لبرهةٍ قصيرة قبل أن يقول لى «أيوة»! أخبرته أننى طالبٌ فى كلية الآداب وقرأت إحدى رواياته وأننى أريد أن أتواصل معه. كان المترو يبطئ إيذاناً بدخول المحطة، وكان سينزل على ما يبدو، صمت قليلاً كأنما يفكر فى شىء. نظر فجأة إلى مظروف فى يده يحمل بريداً، قال لى وهو يمزق جزءاً من المظروف سريعاً: «هذا عنوانى. يمكنك أن تأتى فى أى وقت»!
أخذت منه القصاصة وأنا أتأمل المظروف- عليه شعار المعهد الثقافى الفرنسى- الذى انقطع وظهر بداخله كتابٌ لم أتبينه. كنت مندهشاً ومأخوذاً بالموقف كله، شكرته، فقال لى بالنبرة المحايدة نفسها "العفو". قبل أن يبدأ النزول بصعوبة من المترو محشوراً بين أجساد كثيرة تغادره بلا نظام وأخرى «تهجم» على الأبواب فعلياً لتدخل.
رحت أتأمله من بين قضبان شباك المترو وهو يسير على رصيف المحطة فارداً قامته، بهيئته المميزة، وأتأمل قصاصة الورق فى يدي. لم أكن أعرف أن هذه القصاصة ستغير مسار حياتى إلى الأبد.
بعدها بأيام كنت أقف مساءً أمام عمارة قديمة من ستة طوابق فى شارع «على فهمى كامل» متفرعاً من شارع «أبو العيون»، المحاذى لسور نادى النصر بمصر الجديدة، العمارة أمامها شجرة هائلة منحت ألفةً للمكان، ترددت قليلاً، قبل أن أدخل إليها. بعدها بدقائق كنت أقف منقطع الأنفاس أمام باب شقة الأستاذ صنع الله، أدق الجرس، ليأتينى صوته من عمق الشقة بالكلمة المحببة ذاتها، التى سترافقنى عمراً بأكمله «أيوة»! كنت أتراجع إلى الخلف بضع سلماتٍ تأخذ زاويةً إلى اليسار قبل أن يفتح، فلما يفتح لا يجد أحداً، فيعاود السؤال: «أيوة»! قلت :أنا حمزة. فضحك وقال «لو ستنزل بظهرك تفضل»!
ثلاثون عاماً وأنا أزور الأستاذ صنع الله.. ولا أستطيع ألا أنزل بضع سلمات كلما سمعت صوته وهو يقترب ليفتح الباب هل هى مهابة التلميذ فى حضرة أستاذه؟ هل هو الخوف من المسافة؟ الطالب الصغير هاوى الأدب الذى يمنحه الأستاذ عنوانه ليزوره مباشرةً فى أول مرة يراه فيها دون أن يعرفه! أو هو توقع المفاجأة وتهيبها.. أننى فى حضرة عالَمٍ لم أُهيّأ بعد له بتكوينى المعرفى الذى يتشكل، وتكوينى النفسى الخجول؟
بعدما حصلت على الدكتوراة (الماجستير عن أدب صنع الله إبراهيم) ما زلت نفس هذا الفتى الخجول الذى يتهيب إطلالة الأستاذ من الباب وهو يفتحه له . حتى شهور قليلة مضت.
وفى بيت الأستاذ، راحت العوالم تتكشف أمامى تباعاً.. عوالم لم أكن أعرفها أو أسمع عنها سوى من بعيدٍ من أخبار حركة اليسار فى مصر، وأحزاب التجمع والأهالي، والمفكرين الماركسيين، والحياة فى المعتقل، الناصرية، المقاومة والرفض، اليسار الوطني، «حدتو» و«إسكرا»، وعرفت الطريق إلى كتب حسنين هيكل ومحمود أمين العالم وأنور عبد الملك وعبد العظيم أنيس وسيد البحراوى وغالى شكرى وغيرهم كثيرون.
الكتابة عن الأستاذ صنع الله إبراهيم تعنى لى الكتابة عن عُمرٍ كامل، تكوّنت فيه ثقافياً وفكرياً على يديه، وأنا أتطلع إليه وأتأمل كيف يمكن لكاتبٍ واحدٍ فردٍ أن يقف متمسكاً برؤيته فى مواجهة العالم والأسس النظرية لخطابات ما بعد الاستعمار، وإعادة موضعة مفهوم علاقة الذات بالآخر.
مع الأيام كنت أبلور أفكاراً حول خصوصية إبداع الأستاذ صنع الله، مع كل روايةٍ كان يهديها لي، كنت أكتشف أن السمة الرئيسة لأدبه هى التجريب الروائي، يتضح من رواياته شغفه الكبير بالتجريب، وإقدامه على المغامرة الإبداعية والتأليفية، ويكاد يكون كل عمل إبداعى لديه مغامرة خاصة بذاتها، فى محاولة لخلق مدرسة روائية خاصة به من ناحية، والنهوض بالرواية العربية من ناحية أخرى، والعمل على مواكبة الرواية العالمية، وكذلك التحولات المجتمعية الكبرى، سواء التحولات المصرية فى رواياته الأولى التى واكبت الهزيمة والانكسار ثم النصر والاتفاقيات، ثم الانفتاح الاقتصادى، ثم التحولات الدولية والسياسية العالمية التى أصبح فيها صراع الحضارات جزءاً من واقع الحياة المعيشة.
لم تكن علاقتى بالأستاذ صنع الله تقتصر على جانب الأدب فى حياته، أو التعلم من تجربته الروائية فقط. كانت تجربةً إنسانيةً متكاملة. لا أذكر مرةً اتصلت به طالباً منه لقاءً أو أن يحدد لى موعداً فاعتذر. كان يصمت قليلاً ويقول لى «استنى»! قبل أن أسمع صوته فى سماعة الهاتف ينادى: «يا ليلى»! كان ينادى على زوجته الراحلة، أمى الغالية، ليلى عويس، وأسمع بعدها صوت خشخة أوراق تُقلّب.. قبل أن يعود لى ويقول: «خلاص.. هاستناك بكرا الساعة 10». بعد ذلك عرفت أنه كان يُدوّن مواعيده وارتباطاته جميعاً «ولو كانت مواعيد بسيطة للغاية أو تشير إلى التزامات يومية» فى مذكرة صغيرة، لا يتحرك بدونها. كان هذا درساً آخر لى فى الانضباط والصرامة فى التعامل مع الوقت، والجدية الشديدة فى الالتزام وعدم التهاون مع فكرة إضاعة الوقت أو تبديده.
فى إحدى المرات اتفقنا أن أزوره صباحاً. فى العاشرة صباحاً. وصلت فى العاشرة والنصف دققت الجرس وانتظرت. فتح الباب مرتدياً ملابسه وكأنه يستعد للخروج. اعتذرت له متلعثماً وأخبرته أننى لن أتأخر مجدداً وسآتى مرة أخرى و.. قاطعنى قائلاً: «سنخرج معاً وبعدها سنعود لنجلس».. نزلت مع الأستاذ الطوابق الستة يسبقنى حرجى من عدم التزامى بالموعد، كان صامتاً ونحن نسير معاً بمحاذاة سور نادى النصر.. لم أكن أعرف أين سيذهب. سألته: فقال لى «سنشترى أشياء للبيت من السوق القريب ونعود»! درس آخر، مفاجأة هائلة أخرى بالنسبة لى.. كنت أسير معه سعيداً للغاية.. سرنا معاً باتجاه ميدان المحكمة، وقطعنا شريط المترو إلى الجهة الأخرى، وسرنا باتجاه «ميدان الجامع»، كنت بدأت أتعب من المشى، بينما يسير الأستاذ صنع الله برشاقة ويبدو متحمساً. تبضعنا مواد غذائية وفاكهة وعصائر للبيت.
واكتشفت أنه ماهر فى «تنقية» الفاكهة. فى طريق العودة أصررت أن أحمل عنه الأكياس ولكنه رفض قطعياً. بعد إلحاحى لان قليلاً وقال لى: «طيب شيل النص وأنا النص».
يمكننى أن أقول الآن بقناعة كاملة إن هذا المشوار كان أسعد مشوار فى حياتى إلى اليوم.
كان «2 شارع على فهمى» يمثل لى أجمل مكان رافق شبابي، هناك تفتح وعيى على قيم معرفيةٍ كان يصعب- إن لم يكن من المستحيل- أن أحصِّلها فى الجامعة أو خارج مصر.
فى إحدى المرات اتصلت بالأستاذ صنع الله على هاتفه الأرضى (لم يقتنِ هاتفاً محمولاً طوال حياته)، وطلبت لقاءه، فأكد لى أنه ينتظرنى مساء اليوم. ذهبت إليه (متراجعاً السلمات نفسها ليفتح ويضحك كعادته).. ونحن جالسان، بين ترحيب السيدة العظيمة ليلى عويس رحمها الله. قام ليعد الشاى لنا، ويسألنى: «بطَّلت تحط سكر زى ما نصحتك؟» كنت أتأمل بيته المحتشد بالكتب، وبإسطوانات موسيقية، وبلوحات تشكيلية وألفة غريبة تسكن الروح بمجرد أن تدلف إلى المكان.
فى كل مرةٍ كان العالم يضيق بى كنت أهرع إلى الأستاذ صنع الله، وكان كريماً فى ترحابه.. لم يعتذر لى أبداً عن طلب واحدٍ للقائه طوال عمرى.
تمضى الأيام، وأنا أتنقل، فى التسعينيات وبدايات عام ألفين، بين ثلاثة أماكن رئيسية فى حياتى: بيتنا، وبيت الأستاذ صنع الله، والجامعة، صرت معايشاً عالمه حتى صار جزءاً من تكوينى فعلياً، وأنا أقتدى به فى التعامل بصرامة مع الوقت، وأتعلم الالتزام، والإخلاص للفكرة والمبدأ، وتبنى قناعات اليسار، حتى رواياته شكّلت وعيى، ورسّخت فى أعماقى فكرة تخطى الوعى القائم إلى الوعى الممكن، وأن الإنسان ابن واقعه، وعليه أن ينتمى بأصالةٍ إلى هذا الواقع، ويطوره، ويحسن حياة الآخرين من خلال هذا الوعى والانتماء للجماعة، للطبقة، والتعبير عن إحباطاتها وآمالها، وأن ينتمى إلى الناس.
رحت أتعرف على الواقع السياسى والاجتماعى لمصر من خلال أعماله، بدءاً من «شرف» وقيام مواطن مصرى بالدفاع عن نفسه ضد مقيم أجنبى، مما يؤدى إلى وفاة الأجنبى، وبدون محاكمات تُذكَر تصبح الإدانة مسبقة لصاحب البلد الأصلى، مجاملة لبلد الوافد الأجنبى، بدون استعداد لسماع دفاعات وأسباب المواطن الأصلى، والصراع الذى يدلل على مقدار الاغتراب فى أرض الوطن، مروراً بـ «ذات» التى قدم فيها رؤيةً نسويةً فى استكناه كافة التفاصيل المتعلقة بـ(ذات)، وإقران هذه التفاصيل بالمشهد الاجتماعى والسياسى المصرى، من خلال عمل بطلة الرواية فى أرشيف إحدى الصحف، وهى التى كانت فرصة بالنسبة للمؤلف لأن يقدم لنا كولاجَ صحافياً مميزاً، وانتقائياً إلى حد كبير يعكس وجهة نظر المؤلف، فكانت (ذات) هى وسيلة صنع الله إبراهيم لتقديم نقد منظم للمجتمع المصرى، وتحليل لأنساق القوى الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية فيه، ورصد مراحل تطور وتغير المجتمع المصرى عقب الانفتاح الاقتصادى فى الحقبة الساداتية، ثم «العمامة والقبعة» حيث القفز بدور الروائى إلى أقصى طاقة إبداعية ممكنة، عندما جعل الروائى يتداخل مع المؤرخ، فالحدود بين وظيفة الروائى والمؤرخ تتلاشى ولكن بطريقة وكيفية مختلفتين، وغيرها من الروايات والأعمال التى عشت مع أبطالها حدّ معايشتهم وتمثل وجودهم حقيقةً فى غرفتى المليئة بالكتب الجامعية ودفاتر الدراسة، التى حاولت أن أنثرها حولى فى كل مكان لتشبه بيت الأستاذ!
اتصل بى يوماً فى بيتنا، فأتت لى أمى بالهاتف مبتسمةً وقالت لى هامسةً: أستاذك على الخط. كنت غارقاً فى محاولات كتابة أولى. سألنى عن أحوالى فطمأنته.. قال لى: «تعالَ قابلنى الليلة لأمر هام. الساعة سبعة مناسب؟» فكرت قليلاً وأنا أنظر فى أوراقى وقلت له: «الليلة صعب.. ما رأيك أن أفكر فى موعد آخر؟» ساد الصمت.. ثم ارتفع صوت ضحكه عالياً وقال: «طيب طيب! خلاص.. وقت ما تكون فاضى كلمنى!» شكرته ووضعت السماعة.
رأيت أمى ما زالت واقفةً أمامى. أعطيتها الهاتف. لم تتحرك. ظلت واقفةً تنظر لى دون أن ترمش.
فى السادسة مساءً كنت أهرول خلف مترو مصر الجديدة من محطة حلمية الزيتون لألحق بعربته الأخيرة وقد انطلق وسبقنى.. واصلت الركض حتى حاذيت الباب بصعوبة وقفزت فى العربة منقطع الأنفاس!
وقفت أمام باب شقة الأستاذ صنع الله فى السابعة إلا الربع أضرب الجرس وأتراجع على السلمات.. فتح لى مبتسماً وصاح: أهلاً بالكاتب الكبير.. الحمد لله أن لقيت لى وقت!
- متأسف يا أستاذ!
ضحك ودعانى للدخول.. سألنى لماذا أردت تأجيل الموعد؟
- كنت أكتب روايتى الجديدة! رفع حاجبيه دهشةً وقال بسعادة حقيقية: عظيم. هايل. هل لديك رواية قبلها؟ قلت بثقة : لا!
ردد البيت صدى ضحكاته التى لم تتوقف.. بينما تعد أمى ليلى الشاى وتضحك بدورها.
كانت العلاقة بيننا تكبر يومياً، وتتخطى علاقة التلميذ بأستاذه. أصبح الأستاذ صنع الله إبراهيم أقرب الناس لى فى الحياة فعلياً. لا يمر أسبوعٌ دون أن نلتقى.
الآن أتأمل محطاتٍ كثيرةً فى حياتى، وأكتشف كم كان قريباً منى، أستاذاً، وأباً، وصديقاً.. ربما دون أن أشعر.
يوم سافرت للمرة الأولى خارج مصر، إلى فرنسا، فى 20٠6، وواجهت ظروفاً صعبة فى باريس، اتصلت به من إحدى كبائن الهاتف العمومى المنتشرة هناك،كنت أرتعد من البرد والمطر، أخبرته بأننى ضائعٌ فى مدينةٍ هائلة، وبلا مأوى تقريباً، ردَّ صائحاً «اكتب هذا العنوان عندك واذهب لصاحبه واخبره أنك من طرفى». ذهبت إلى صديقه الذى يعيش أمام المدرسة العسكرية الفرنسية، وكانت بدايةً جديدةً لى فى باريس، أكثر أمناً وطمأنينة.
عندما ألغوا قرار تعيينى فى المجلس الأعلى للثقافة الذى وقّعه لى د. جابر عصفور، بأن أعمل فى إدارة الترجمة بعقدٍ مؤقت، على أن أُثبّت لاحقاً، (كان حلمى النمنم يتعاون مع المجلس مثلى فى ذلك الوقت، قادماً من «الهلال» ونلتقى أحياناً فى نفس المكتب) خرجت من مبنى الأوبرا دامعاً إلى بيت الأستاذ صنع الله إبراهيم وفى يدى خطاب التعيين المُلغَى، ما إن فتح الباب لى حتى بكيت على كتفه، فهدّأ من روعى. جلسنا وحكيت له كل شىء. كنت حديث التخرج من الجامعة وهذه فرصتى الوحيدة فى مصر. ابتسم وقال بهدوء «هل هذه كل القصة؟ هل تريد أن تنتهى موظفاً؟ يمكنك أن تكون أهم من ذلك يوماً، أنت أُنقِذت دون أن تعلم. وظيفتك أفكارك يا أستاذ»! والآن بعد اثنين وعشرين عاماً من ذلك اللقاء أدركت مدى صدق كلماته، وفهمتها متأخراً.
يوم عُدت من باريس حزيناً بمفردى فى 2006، كان ينتظرنى وحده فى المطار.
يوم ذهبت لمناقشة رسالة الماجستير فى كلية الآداب بجامعة عين شمس عام 2016 عن أعماله (الحاكم والمحكوم فى روايات صنع الله إبراهيم) كان يسير معى فى العباسية، تحت الشمس، بملابسه البسيطة نفسها، القميص والبنطلون، والمعطف القصير، ودلفنا معاً إلى قاعة المناقشة.
يوم كنت أبحث عن عملٍ أرسلنى إلى أكثر من جهةٍ أعمل بها، وعرفنى على مفكرين وكُتّاب كبار، د. محمد أبو الغار، ود. فكرى أندراوس، ود. سيد البحراوى، ود. أمينة رشيد، وسعد زهران، ود. سعدية منتصر، وغيرهم كثيرون.
يوم لم أجد ناشراً لروايتى الأولى «المثقفون» طبعها لى فى «الثقافة الجديدة» دون أن يطلب منى أى مقابل، وتكرر الأمر مع مجموعتى القصصية «باتجاه الطريق» ورواية «خريف الزعفران»، التى كتب كلمة الغلاف على ظهرها.
اتصل بى ذات صباحٍ وسألنى: هل ستذهب لجامعة القاهرة اليوم؟ فرددت بالإيجاب، (كنت مسجلاً رسالتى مع الدكتور سيد البحراوى رحمه الله، قبل أن أنقلها إلى جامعة عين شمس) فطلب منى أن أمرَّ عليه. لم أعش صباحاتٍ فى حياتى أجمل من تلك التى كنت أقضيها مع الأستاذ صنع الله فى بيته، توجهت إليه سريعاً، شربنا الشاى فى الشرفة، حيث الشجرة والشمس والعصافير والهواء البارد. أعطانى مظروفاً مكتوباً عليه (الدكتور سيد البحراوى).. قال لى «هذه أمانة.. سلمها للدكتور سيد».
لم أسأله عما تكون حتى، أخذتها منه، وبعد ساعتين كنت فى جامعة القاهرة فى الجيزة أسلّمها لأستاذى البحراوى. طلب منى الجلوس ونادى على الساعى وأحضر لى الشاى بدوره. فتح المظروف وأخرج ما يبدو أنه مخطوط، ابتسم الدكتور سيد، وقال لى بصوته القوى المحايد: «بلّغ صنع الله إن الرواية وصلت».
بعدها بأشهر، بعدما انتهى الدكتور سيد من محاضرته لنا فى النقد الحديث، طلب منى أن أبقى، توجه إلى خارج القاعة، حيث مكتب الأساتذة، وعاد حاملاً مظروفاً بنياً، وقال لى «سلم هذه الأمانة لصديقك».. وكنت فى المساء مع الأستاذ صنع الله وهو يطالع مخطوط رواية د. سيد.
كنت تلميذاً بين أستاذين كبيرين، رائدين. أتعلم منهما الأدب والنقد والالتزام والقيمة ومعنى الصداقة والانتماء لليسار، والجدية الشديدة، والصدق مع النفس. لا تكاد تنتهى صور عمرى بأكمله مع الأستاذ صنع الله.
يوم التقينا فى ميدان المحكمة صباحاً لنذهب إلى مكتب الأستاذ محيى الدين اللباد، ليقدم له غلاف إحدى رواياته، كانت المرة الأولى التى ألتقى فيها الأستاذ اللباد عن قرب. استقبلنا بوجهه البشوش، قال له الأستاذ وهما واقفان على الباب: أين الغلاف يا محيى؟ فتركه الأستاذ اللباد وهو يجرى تقريباً، بجسده الضخم وأُلفته، باتجاه المكتب ويقول له: أنا عندى مكتب يا أستاذ صنع الله.. تتفضل تناقشنى فى مكتبى! ضحك الأستاذ «وجرى» خلفه منادياً: يا محيى فين الغلاف! بينما كنت مندهشاً مما يحدث.. وبهذه السعادة والانسجام بينهما، وأنا أتأمل لوحات الأستاذ اللباد المعلقة على حوائط صالة الشقة التى تدخلها الشمس من نافذة خشبية عالية تطل على شارع «البادية» فى مصر الجديدة، وجدت نفسى وحيداً فى الصالة، «فجريت» بدورى ألحقهما!
نزلنا من المكتب أنا والأستاذ صنع الله.. تمشينا فى شارع الأهرام، ودخلنا مكتبةً واشترى أوراقاً وأقلامَ كثيرةً.. واتجهنا إلى محطة المترو.
كنا واقفين نمسك بالتعليقات المُدلّاة من سقف العربة، نحاول الحفاظ على توازننا فى اهتزاز المترو الشديد، ونتأمل شوارع مصر الجديدة من نوافذه العريضة.. سألنى الأستاذ: هل تأتى لتتغدى معى؟ فشكرته محرجاً. ابتسم وقال لى: إذاً سأنتظرك فى المساء. نزل من المترو فى محطة المحكمة.
ثم مرت عشرون عاماً.
كنت جالساً مع الأستاذ صنع الله فى الشرفة نفسها، بينما يحمل ابنتى الصغيرة، وتتحدث أمى ليلى مع سلام، زوجتى، عن الأدب والحب والغربة والحرب والحياة مع الكتابة، وتسألها عن تفاصيل الحرب الأهلية فى لبنان، والجنوب والمقاومة، وفيروز. وأنا أسأله إن كانت هناك مشاوير يمكننا أن نذهب لها معاً صباحاً فى ميدان الجامع أو سوق شارع هارون أو كنيسة البازيليك! أخبرته أننى سأنتظره على رصيف محطة مترو "المحكمة". ابتسم وصمت طويلاً. قال لى: لم يعد هناك «مترو».
فى الطريق الصاعد إلى المقطم، حيثُ انتقل الأستاذ صنع الله إلى بيته الجديد، بعيداً على حافة القاهرة، جلسنا منذ أشهرٍ فى شرفةٍ أخرى، بَحريْةٍ أيضاً، ولكنها تطل على مساحةٍ فارغةٍ شاسعة، لم تكن أمى ليلى معنا، ولا الشاى من يديها، كانت روحها تملأ المكان حولنا.. والأستاذ يبدو متعباً، ولكنه حاضر الذهن ومتوقد الروح كما عهدته. قلت له إننى أفكر فى كتابة بحث جديد عنه، سأشارك به فى أحد المؤتمرات فى المغرب، وعرضت عليه أن يأتى معي. صمت قليلاً.. ونظر للشرفة كأنما يتأمل شيئاً لا أراه، قال لى: لن أذهب معك قبل أن أعرف.. لماذا تأخرت على موعدنا لميدان الجامع نصف ساعة؟
شاعر مصرى مقيم فى الخارج
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين






