أمريكا تعيد إحياء «جزيرة القنابل الذرية» استعدادًا لمواجهة الصين

جزيرة القنابل الذرية
جزيرة القنابل الذرية


في قلب المحيط الهادئ، تعود جزيرة صغيرة لعبت دورًا حاسمًا في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى واجهة الأحداث مجددًا. 

جزيرة تينيان، التي انطلقت منها الطائرات الأمريكية لإلقاء أولى القنابل الذرية على اليابان قبل ثمانية عقود، تتحول اليوم إلى مركز استراتيجي لإعادة تموضع القوات الأمريكية في مواجهة صعود الصين العسكري، حسبما أفادت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية.

 وهذا الإحياء بجانب أنه مشروع رمزي، فهو جزء أيضًا من خطة واسعة تهدف لتهيئة البنية التحتية والقدرات القتالية لحرب محتملة قد تغيّر موازين القوى العالمية.

الجزيرة التي غيّرت وجه الحرب

كشفت أعمال الحفر الأخيرة في جزيرة تينيان عن مدارج مطار "نورث فيلد"، حيث جرى تحميل قنبلتي "ليتل بوي" و"فات مان" على متن طائرات بي–29 التي قصفت هيروشيما وناجازاكي عام 1945. 

آنذاك، تحولت الجزيرة إلى أكبر قاعدة جوية في العالم، قبل أن تُهجر لاحقًا. 

واليوم، تُعيد الولايات المتحدة ترميم هذه المنشآت التاريخية، لكن الهدف هذه المرة ليس اليابان، بل منافس جديد اسمه «الصين».

استعداد أمريكي أمام "«الرمح الصيني الطويل»

مع تزايد الترسانة الصاروخية الصينية، التي تضم آلاف الصواريخ القادرة على ضرب القواعد الأمريكية في المحيط الهادئ، تسعى واشنطن لتبني استراتيجيات مرنة. 

تقوم الفكرة، على توزيع الطائرات والقوات عبر جزر متعددة، لتقليل الخسائر المحتملة في حال تعرض قاعدة كبيرة لهجوم، وهو ما يُعرف بمبدأ "التوظيف القتالي الرشيق" (ACE).

مناورات ضخمة ورسائل قوة

شهدت الأسابيع الماضية مناورات REFORPAC، وهي الأكبر منذ الحرب الباردة، بمشاركة أكثر من 400 طائرة و50 موقعًا عبر المحيط الهادئ. 

وخلالها، أظهرت القوات الأمريكية قدرتها على نقل الطائرات من ألاسكا إلى تينيان، وتجربة خطط الانتشار المرن. 

وأقلعت طائرات إف–22  من مدرجات الجزيرة بصوتٍ مدوٍ، لتؤكد أن هذه المنطقة الصغيرة عادت إلى قلب الحسابات العسكرية العالمية.

تحديات الجغرافيا واللوجستيات

لكن الطموحات الأمريكية تصطدم بواقع معقد، يتمثل في: المسافات الشاسعة في المحيط الهادئ، ومحدودية المطارات القابلة للاستخدام، وضعف حماية المنشآت، ونقص في طائرات التزود بالوقود جواً. 

في المقابل، تخوض الصين أي حرب محتملة في "ساحتها الخلفية" ضمن سلسلة الجزر الأولى، حيث تايوان تقع على بُعد 100 ميل فقط من سواحلها.

الحسابات الصاروخية الصينية

تشير تقديرات معهد هدسون للدراسات الأمريكية، إلى أن الصين قادرة على إطلاق نحو 2000 قذيفة أو صاروخ يوميًا على أهداف ضمن نطاق 500 ميل بحري، ما يشمل القواعد الأمريكية في أوكيناوا، وحتى المواقع الأبعد، مثل غوام وألاسكا وهاواي، لن تكون بمأمن كامل من هذا الطوفان الصاروخي، وفقًا للمجلة البريطانية ذاتها.

في المقابل، تعتمد واشنطن على سرعة إعادة تشغيل المطارات المُدمرة جزئيًا، باعتبارها أقل عرضة للخسارة الكاملة مقارنة بحاملات الطائرات التي قد تُغرق بضربة واحدة.

أهمية تينيان المتجددة

يمثل تحديث مدارج تينيان الأربعة جزءًا من خطة لتوفير بدائل لقواعد أكبر وأكثر عرضة للهجوم، مثل قاعدة أندرسن في غوام. 

وتؤكد القوات الجوية الأمريكية أن فلسفتها الجديدة تقوم على "أماكن لا قواعد"، أي القدرة على الانتشار السريع بدلًا من الاعتماد على قواعد ثابتة.

الدفاعات الأمريكية.. «نقاط ضعف خطيرة»

انتقدت مراكز أبحاث أمريكية، إهمال الدفاعات الأمريكية السلبية مثل ملاجئ الطائرات الخرسانية، محذّرة من أن الطائرات المتراصة في العراء –كما حدث خلال بعض المناورات– تصبح أهدافًا سهلة.

 كما يُواجه سلاح الجو معضلة في حماية مستودعات الوقود واللوجستيات، خصوصًا مع استخدام أوكرانيا لطائرات مسيّرة صغيرة نجحت في ضرب قواعد روسية بعيدة، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

سيناريو الحرب.. الوقود والطائرات والقدرة على الصمود

وفقا لمجلة «ذي إيكونوميست»، أي مواجهة محتملة ستعتمد بشكل كبير على قدرة واشنطن على قصف القوات الصينية في مضيق تايوان، وهو ما يتطلب كميات هائلة من الوقود. 

لكن معظم أسطول الناقلات الأمريكي متقادم، وبعضه يتجاوز عمره 50 عامًا. 

في الوقت ذاته، تعمل بكين على تطوير رؤوس صاروخية دقيقة لاستهداف هذه الطائرات الكبيرة، مما قد يجبر واشنطن على إبعادها، وهو ما يقلل من فعاليتها.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

للتغلب على هذه المعضلات، تدرس وزارة الدفاع الأمريكية توظيف الطباعة ثلاثية الأبعاد لقطع الغيار، واستخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة اللوجستيات المعقدة.

كما تسعى لإيجاد طرق بديلة لنقل الإمدادات عبر أستراليا، بعيدًا عن مرمى النيران الصينية.

القيادة والسيطرة في عصر الأقمار الصناعية

يتوقع الخبراء ــ بحسب المجلة البريطانية ــ أن تتعرض شبكات البيانات والأقمار الصناعية لهجمات مكثفة في أي حرب، ما قد يعيق الاتصالات. 

ومع ذلك، تراهن واشنطن على مبدأ "قيادة المهمة"، أي تمكين الوحدات من التصرف بشكل مستقل وفق نية القائد، وهو ما تعتبره ميزة على الجيش الصيني شديد المركزية.

هل تكفي هذه الخطط؟

يرى بعض الخبراء، أن الصين لا تحتاج لهزيمة الولايات المتحدة بالكامل، بل يكفيها تأخيرها بما يسمح بالسيطرة على تايوان.

بينما قد تتمكن واشنطن من قلب الموازين بعد استنزاف الترسانة الصينية، فإن الكلفة ستكون باهظة، خصوصًا مع تفوق بكين الصناعي.

المستقبل.. بين الطائرات بدون طيار والطيارين

تطرح بعض مراكز الفكر الأمريكية فكرة التحول التدريجي إلى طائرات بدون طيار أكبر مدى، تُطلق من شاحنات أو سكك حديد، لتقليل الاعتماد على المدارج المكشوفة. 

ومع ذلك، ما زالت القوات الجوية الأمريكية بعيدة عن التخلي عن الطيارين، حيث ستبدأ قريبًا باختبار طائرات قتال تعاونية (CCA) تُدار عن بُعد لدعم المقاتلات المأهولة.

سباق مع الزمن

رغم ميزانية الدفاع الأمريكية الضخمة، فإن برامج التحديث تسير ببطء. 

فبعد ثمانية عشر شهرًا من أعمال إعادة تأهيل جزيرة تينيان، لا يزال الغطاء النباتي يُزال بصعوبة، وبينما يريد الرئيس الصيني شي جين بينج أن تكون قواته جاهزة للنزاع مع تايوان بحلول 2027، تبدو الاستعدادات الأمريكية وكأنها تتحرك بعقلية زمن السلم، أي مازالت بطيئة و"روتينية" بشأن الاستعدادات العسكرية.