إسلام عفيفى يكتب: تسريبات وتهديدات وإدارة رشيدة

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


الجدل الذى أُثير مؤخرًا حول ما سُرّب من حديث وزير الخارجية المصرى والذى قوبل من الرأى العام المصرى باحتفاء شديد، لم يكن مجرد ضوضاء إعلامية، بل كان اختبارًا حقيقيًا لكيف يمكن لدولة أن تجمع بين الوضوح والمبدأ فى آن واحد فالكلمات التى أطلقها الدكتور بدر عبدالعاطى لم تكن ارتجالًا أو انفعالًا، بل جاءت محمّلة بروح القانون الدولى ومضمونه، وكأنها تذكير للعالم بأن هناك قواعد لا يجوز تجاوزها مهما كانت سخونة الأحداث أو احتدام الخلافات.

القانون الدولي، وبخاصة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، يضع أمن السفارات والبعثات الدبلوماسية على رأس قائمة الالتزامات بين الدول، هذا الأمن لا يعنى فقط حماية الجدران أو الأعلام المرفوعة، بل يشمل ضمان سلامة العاملين، وحمايتهم من أى تهديد لحياتهم أو أعمالهم، وعدم التعرض لهم بما يعيق أداء مهامهم ما قاله الوزير المصري، بلهجة صريحة، كان بمثابة إعادة تأكيد على أن مصر — مهما كانت الخلافات السياسية أو الملفات الشائكة — لن تسمح بانتهاك هذه القاعدة الصلبة.

هذا الموقف ليس جديدًا على القاهرة، لكنه جاء فى لحظة حساسة، حيث قد يختلط عند البعض الحق فى الاعتراض على سياسات دولة معينة مع جواز المساس بممثليها الدبلوماسيين وهنا الفارق الذى تدركه مصر جيدًا: يمكنك أن ترفض سياسة، أن تنتقدها، لكنك لا تلمس البنية التى يقوم عليها النظام الدولي؛ لأن انهيار هذه البنية يعنى فتح أبواب الفوضى على مصاريعها بهذا المعنى، حماية السفارات هى حماية للاستقرار الدولى نفسه، وحماية لحق مصر فى أن تطالب الآخرين، بدورهم، بحماية بعثاتها ومصالحها فى الخارج، وهو ببساطة إعمال لمبدأ المعاملة بالمثل.

لكن المشهد لا يتوقف عند حدود الحماية الدبلوماسية، بل يمتد إلى صورة أكبر فى الإقليم فالتصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين فى إسرائيل، والتى تمضى فى طريق الاستفزاز السياسى والإعلامي، تمثل خطرًا مباشرًا على ما تبقى من استقرار هش فى المنطقة، التاريخ القريب والبعيد علّم الجميع أن الكلمات فى هذه البقعة من العالم ليست بلا ثمن، وأن التصريحات إذا لم يتم ضبطها قد تتحول إلى أفعال على الأرض تجر المنطقة إلى دوامة جديدة من العنف.
الموقف المصرى هنا لم يكن انفعاليًا، فالقاهرة تدرك أن الانجرار إلى سجالات لفظية يستهلك الوقت والجهد بلا نتيجة، وتدرك أن الرد الأنجع هو العمل على الأرض لامتصاص موجات التصعيد، لهذا اتخذت مسارًا مختلفًا: فتح القنوات مع كل الأطراف، وتحريك خطوط الاتصال التى يظن البعض أنها قد انقطعت، وتكثيف الجهود للبحث عن مسارات تهدئة، حتى لو كانت فرص النجاح ضئيلة.

هذه السياسة الواقعية تعكس فلسفة مصر فى إدارة الأزمات: لا تكتفى بالتحذير من الخطر، بل تتحرك لتقليل احتمالات وقوعه وهى تدرك أن المنطقة الآن أمام تحد مزدوج: من جهة، هناك تصعيد لغوى وسياسى من أطراف تدفع باتجاه المواجهة، ومن جهة أخرى هناك احتقان شعبى وإقليمى يجعل أى شرارة قابلة لإشعال حريق واسع، ولعل استقبال القاهرة مؤخرًا لأحد قيادات حماس، يمثل أوضح دليل على أن مصر تتوقف عند الصغائر ولا تكتفى بدور المراقب، بل تتفاعل بما تملكه من أوراق حقيقية على الطاولة هذه الزيارة لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل كانت جزءًا من محاولة شاملة لتقريب وجهات النظر، واستكشاف مخارج سياسية وإنسانية يمكن أن توقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

هذا الجمع بين الحزم فى المبادئ والمرونة فى التكتيك هو ما يجعل الموقف المصرى متماسكًا وقادرًا على الصمود فى بيئة إقليمية تموج بالأزمات.
لا نأسف على الإزعاج… لكننا نأسف حين يظن البعض أن الحزم فى حماية البعثات الدبلوماسية هو نوع من الضعف، أو أن السعى للتهدئة نوع من التنازل الحقيقة أن القوة الحقيقية تكمن فى أن تحمى ما هو مبدئي، وفى أن تبحث عن مخرج عندما يرى الآخرون فقط الجدران المسدودة، ومصر بما تملكه من تاريخ ودور وموقع، تعرف أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على طاولة السياسة، حيث تُصنع القرارات التى تحدد مصير المنطقة كلها.