كنوز| طفولة «المازنى» مع العفاريت وأمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة !

رسم لأمنا الغولة فى الحواديت - إبراهيم عبد القادر المازنى - أبو رجل مسلوخة فى الحواديت
رسم لأمنا الغولة فى الحواديت - إبراهيم عبد القادر المازنى - أبو رجل مسلوخة فى الحواديت


تنوعت إبداعات الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازنى بين الشعر والنقد والصحافة والرواية، إبداعاته جعلته يتبوأ مكانته الكبيرة بين الكبار، وتميز عليهم بكتاباته الساخرة، واتفقت رؤاه  فى الأدب مع العملاق عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكرى، فكوّنوا معاً ما عرف بمدرسة «الديوان»، ونقدم اليوم إحدى مقالاته التى تتسم بسحر القلم وروح الدعابة فى رسم صورة ربما لا يعرفها الجيل الحالى، فيقول فى مقاله: 

- نشأت فى بيت صارم التقاليد فى ساحته الواسعة مصلى وميضأة، وعلى جانبى مدخله غرف لإقامة الأتباع والتلاميذ والمريدين، وكانت آخر هذه الحجرات، مما يلى الساحة مباشرة غير مسقوفة، كانت تتخذ اصطبلاً لمن له بغلة أو فرس أو حمار، وبعد المغرب من كل خميس يجتمع المقرئون من هؤلاء الأتباع فى المصلى، ويتلون «الوِرْد» وهم قعود ثم يذكرون الله، ثم يقومون إلى صلاة العشاء، ثم إلى الطعام فالخلوة، وفى الفجر يخرجون إلى مقبرة الشيخ الكبير، وهناك يتلى «الوِرْد» مرة أخرى، وتعقد حلقة الذكر، ثم يؤكل الفول النابت والخبز.

اقرأ أيضًا| كنوز| 34 عامًا على غياب «تشيخوف العرب» المبدع الصاخب المجدد

وكان يروقنى هذا ويستولى على خيالى، فأشاركهم فيه، وأتلو الوِرْد الذى يتلونه، وأصلى على النبى كما أراهم يصلون، وأهز رأسى وجسمى فى الصف عند «الذِكْر» كما يفعلون، وأحاول  عبثا أن أجعل صوتى غليظًا عميقًا، وأرافقهم فى الفجر إلى المقبرة، وأزيد عليهم فأعرج على قبر أبى فأزوره ثم أرتد إلى الحارة واللعب، والقلب راض والنفس ساكنة.

ولم يكن هذا بيت أبى، وإنما كان بيتًا يسع من شاء من الأسرة أن يذهب إليه ويقيم فيه، فقد كان واسعًا كبيرًا، فلما مات أبى وساءت حالنا بعده، اتخذنا لنا فيه شقة اقتصادًا فى النفقة، وعز علىَّ ذلك فى أول الأمر فقد كان لنا بيت خاص لا يشاركنا فيه مشارك، وكان عندنا الخادم والخادمة والبواب والبستانى، ومن العجيب أنى أذكر مدخل البيت وساحته الرحيبة وحديقته والنافورة والحجرات، وفيها مكتب أبى ومكاتب الوكيل ومساعديه.

وأذكر أنى كنت أدخل على أبى فى مكتبه وعنده أصحاب القضايا، فأقف إلى جانبه وهو منكب على الورق، وأنا ساكت لا أقول شيئًا ولا أتحرك، حتى يرفع رأسه ويمد يده إلى فنجان القهوة، فأقول بصوت خفيض «أبويا.. أبويا.. أبويا هات قرش» فيضع يده فى جيبه ثم يخرجها بقرش أو نصف فرنك، أو أقل أو أكثر، فأتسلل وأجد أخى الأصغر ينتطرنى عند الباب، فنخرج إلى الحارة حيث نجد بائع «الدندرمة» فندفع إليه ما معنا، ونأكل حتى نشبع ونحمد الله، ونميل على دكان مجاورة لبيتنا فنشترى كرات وبلي وما إلى ذلك، نبدد الفلوس والسلام وكان أخى أصغر منى مشرق الوجه سمينًا، فكان أبى يخاف عليه أن تصيبه العين، ومن هنا أمر ألا يدخلوه عليه فى المكتب لئلا يراه ذو عين فيحسده، فاتفق يوماً أنى كنت عند عمتى، فلما مر «بائع الدندرمة» أقبل عليه الغلام بالطلب كالعادة، فناوله من مثلجاته، ولم يجد أخى معه ثمن ما أكل، فخلع طربوشه وعرض على الرجل أن يقبله بديلاً من الثمن وكان أخى عظيم الرأس، فطربوشه يصلح للكبار، فمضى الرجل به ولم يعد بعدها لسوء حظه.

اقرأ أيضًا| "كنوز الفراعنة" تتألق في روما.. اتفاقية مصرية إيطالية لعرض 130 قطعة أثرية نادرة

ومن الصور التى لا تزال ماثلة أمام عينى، أن جدى دخل على أبى فى مكتبه يتوكأ على عكازه، فنهض أبى واقفًا وأفسح الزباين له ليقعد ولكنه لم يفعل والتفت إلى أبى وطلب منه شيئًا، فاستمهله هذا فما كان من الجد إلا أن رفع «العكاز» وهوى به على كتف أبى، فتأوه واختبأ تحت المكتب، وانصرف جدى غاضبًا ساخطًا يلعن العقوق، وعاد إلى كرسيه فى مدخل البيت.
وكنت حاضرًا فشق علىّ أن أرى جدى يضرب أبى بهذه الهراوة الضخمة، فخرجت إليه فنادانى وقربنى منه وأجلسنى على حجره وشرع يلاطفنى ويدعو لى، ولكنى كنت مغتاظًا فشددت شعرات من لحيته الكثيفة وفى نيتى أن أنتفها كلها عقابًا له، فزجرنى وأدار وجهه ورفع يده لتخليص لحيته، فصفعته فطار عقله ودفعنى فارتميت على الأرض ورأيته يميل على هراوته يتناولها فوضعت ذيلى بين أسنانى وانطلقت أعدو.
وقد ظل جدى شهرًا يأبى أن يكلمنى، وأنا أكاد أجن من ثقل الشعور بالحرمان من عطفه، فلما فاءت نفسه إلى الرضى كتب لى حجابًا وعلقه على جنبى الأيسر ليقينى الله سوء الأدب، إذا كان قد وقع فى روعه ووقر فى نفسه أن الناس حسدونى فكان منى هذا الذى أسخطه على.

وكان شر ما يمكن أن يعاب به الواحد، أن يراه أحد واقفًا يحدث بنتًا أو يلاعبها. يا حفيظ ! ولد يلعب مع بنت، هذا إثم كبير ومعصية توصد من دونها أبواب الغفران، فإنه عيب وسوء أدب وقلة حياء وفساد تربية وأشنع من هذا أن تلعب البنت فى الشارع أو فى ساحة البيت، ألا تكفيها حجراته التى تطل نوافذها على الطريق وفناء الدار؟ وصحيح أن الشبابيك مسمرة؛ ولكن النظر من الثقوب ميسور، ومن العيب أن يرى الرجل زوجة أخيه إذا كانت غريبة أو من غير قريباته.

اقرأ أيضًا| حُفْرة تصْطَاد العَابْرِين

وتغرب الشمس فيهش علينا كما يهش على الغنم، ويردنا للبيت والحجرات ذات الشبابيك المسمرة مخافة أن يخطفنا أحد إذا بقينا نلعب فى الحارة؛ أو يصادفنا «السماوى» فيميتنا، أو يظهر لنا عفريت فيركبنا أو يرعبنا، ويكون الحر شديدًا والليل جميل وتزهق أرواحنا فى الغرف المكتومة ونشتهى أن ننعم بالليل ونجوم السماء اللامعة، ولكن لا سبيل إلى ذلك.

وكانت بنت خادمتنا فى مثل سنى، فكنت أتوق لملاعبتها بعد إدخالنا للغرف فى الليل فتأبى أمى وأمها لأنه عيب، وتجر الخادمة ابنتها لحجرتها من أذنها وتضربها، وتجرنى أمى من شعرى إذا غضبت وأخذت أضرب بيدى ورجلى فى الهواء وترقدنى برغم أنفى على السرير وتغطينى باللحاف وتروح تحدثنى عن العفاريت وتصف لى ما تصنع بالأطفال الذين لا يسمعون الكلام، وتروى لى قصصًا يقف لها شعر الرأس مثل قصة «أبى رجل مسلوخة»، و«أمنا الغولة» وغيرها من القصص التى تجعلنى أتضاءل ويدخل بعضى فى بعض، وتتركنى عندما تطمئن لسكونى وتدرك أنى غير مفارق لفراشى، فأناديها لكى تبقى بجانبى لأن «اللحاف» يحدق فىّ بعينين تقدحان شررًا، أو كأن الحائط يبدو عليه رسم يشبه ما سمعت من أوصاف أبى رجل مسلوخة فأخاف أن يتجسد ويخرج من الجدار ويميل علىّ بأسنانه وأظافره.

ويغلبنى النعاس فأنام وأنا أحلم بالعفاريت والليل المخيف والنهار الذى يعيد الطمأنينة، والسلالم المظلمة وما يختبئ لى عندها، وما أكثر ما رأيت فى منامى أنى لاعبت هذه أو تلك من البنات وأن أهلى دهنونى بالسمن والعسل وقيدونى ورمونى فى ركن حالك السواد وتركونى للحشرات وغيرها من المؤذيات والمرعبات! ويصبح الصباح فأُحمل إلى «الكُتُّاب» حملًا، وهناك توضع قدماى فى «الفلقة» ويهوى عليها شيخ الكتاب «بالمِقرعة» وبهذا يبدأ النهار عندى!

إبراهيم عبد القادر المازنى 

من كتاب «قصة حياة»

 

حكاية أنيس منصور مع الصحافة والتدريس !

عشرات الألوف من المواطنين يعملون أشق وأقسى مهنة فى العالم: التدريس، وقد جربت التدريس عندما كنت أحاضر فى الفلسفة وفى تاريخ الحضارة بكلية الآداب، لم أكن أشكو من هذه المهنة، فقد كانت المحاضرات قليلة وعدد الطلبة قليلًا، وكنت أعلم أننى سوف أترك هذه المهنة لأنها لم تكن مهنتى الوحيدة، كنت أوزع ساعاتى بين التدريس والصحافة، كنت أضع قدمًا هنا وقدمًا هناك، وعينًا هنا والأخرى هناك، وكنت أضع المهنتين فى قلبى - وجع قلب ؟ 

عندما تركت التدريس فى الجامعة، كنت أحس أنى أترك العمل فى كلية لأتفرغ للتدريس فى جامعة الصحافة التى تضم مئات من الألوف من القراء، وكثيرًا ما وصف الأنبياء بأنهم معلمون، ووصف الزعماء بأنهم أساتذة الشعوب، وكما يحدث للأنبياء يحدث للمعلمين، فكما أن كل نبى فى وطنه مهان، كذلك كل مدرس فى مدرسته وفى كليته مهان أيضاً، وهوان المدرسين فى الإرهاق والتعب الذى لا ينتهى بالخروج من المدرسة أو الكلية، فالمدرس يستأنف عمله فى البيت فى التصحيح وتحضير الدروس، وعليه بعد ذلك أن يكون زوجًا وأبًا أو ابنًا بارًا بوالديه، أو مواطنًا يأكل ويشرب ويلبس ويستريح من التعب، ليصبح قادرًا على استئناف العمل، وكما يحمل المدرس كراريس الطلبة إلى البيت يحمل هموم البيت إلى المدرسة ويحمل همومًا من هنا وهناك، طول عمره يستنشق الحبر والطباشير، والطلبة لا يدرون أى عذاب يعانيه، وأى مصير ينتظره، وأى عمل جليل يقوم به من أجل مستقبل هذه الأجيال!.

لا يوجد مدرس لا يتمنى أن يكون ظريفًا لطيفًا محبوبًا يضحك طول النهار، لكنه لا يستطيع أن يضحك وهو يشرح نظرية علمية، ولا يستطيع أن ينكت على قوانين الأجسام الطافية، ولا على حساب المثلثات، ولا يستطيع أن يسكت على الإهمال والكذب والغش، ولا ينسى أنه أب وأنه مشرع وحامى للفضيلة والنظام، ولا يمنع نفسه من الثورة ضد الاستخفاف به وبقداسة العلم وبخطورة رسالته. 

لذلك كان المدرس قاسيًا والقسوة مكروهة من الطالب الذى يرى فى المدرس صورة من أبيه ويرى فى أبيه صدى للمدرس، ويرى المدرسة امتدادًا للبيت، ويرى البيت انكماشًا للمدرسة، ولا يستطيع المدرس أن يحقق كل شيء، ويجب أن يعاونه الأب والصحف والإذاعة والتليفزيون فى تربية الجيل الجديد، ويشاركوا فى التوجيه والضبط والربط، لقد ارتضى مئات الألوف من المدرسين أن يقوموا بدور الإنسان المخيف الكريه وهى تضحية من أجل العلم والأخلاق والوطن! 

أنيس منصور  من كتاب «من نفسى»

 

مصطفى أمين يدعو للحفاظ على نظافة بلادنا

إننى أحب بلادى.. وليس معنى ذلك أن أتستر على خطاياها وأدافع عن أخطائها وأبرر كل أغلاطها.. الذى يحب بلاده لا يتستر على أخطائها بل يكشفها وينتقدها.. والذين يتصورون أن الوطنية هى أن تدافع عن أغلاط بلدك لا يحبونها. 

الصديق الحقيقى هو الذى ينتقدنى إذا أخطأت والذى يواجهنى بالحقائق لا الذى يخفى أخطائى ويحول عيوبى إلى أمجاد. 

كان بعض السياح الأجانب يصورون أطفالنا زمان وهم حفاة وعراة وكانت الشرطة تقبض على السياح بدل أن تعطى أحذية للحفاة وتعطى ملابس للعراة!
ولم تنفع حكاية القبض على الذين ينشرون الحقيقة ضدنا بل تضاعف التقاط الصور الممنوعة.. ولم يختف الحفاة بعد أن كنا ننعم برتبة الباشوية على كل من يتبرع بخمسة آلاف جنيه لمقاومة الحفاء. 

اختفى هؤلاء الحفاة عندما زادت أجور العمال.. وأصبح العامل يستطيع أن يدفع أجرة الأوتوبيس بعد أن كان يمشى على قدميه ساعة كل يوم ليصل إلى المصنع الذى يعمل فيه.

يجب ألا نغضب إذا نشر الأجنبى عيوبنا أو أذاع أخطاءنا.. بل يجب علينا أن نتخلص من هذه العيوب ونتجنب هذه الأخطاء.. ويجب أن نعلم كل أم أن تطارد الذباب فوق وجوه أطفالها، وألا تتركهم يلوثون الترعة التى يشرب منها إخوتهم. 

ويجب أن نعلم أولادنا أن عليهم أن يحترموا نهر النيل.. ولا يكون ذلك بتأليف القصائد والمواويل.. بل يكون بأن نرفض أن نجعل النيل سلة قمامة نرمى فيه القاذورات!

جندى الشرطة فى بعض بلاد أوروبا يقبض عليك إذا رميت عقب سيجارة فى الشارع.. أو إذا ألقيت قمامة أو ماء غير نظيف من نافذة بيتك. 

الحرية فى هذه البلاد معناها أن تحافظ على نظام مدينتك وتحميها من العبث والأوساخ، واجبنا أن نحافظ على جمال المدينة التى نعيش فيها، والقرية التى نقيم فيها والنظافة هى جمال يجب أن نحميه من عبث العابثين والذين يحبون بلادهم هم الذين يحافظون على نظافتها.

مصطفى أمين «الأخبار» 19 مايو 1996

 

هروب «عفريتة هانم» من سفاح النساء !

 

من أطرف ذكرياتى ما حدث لى عندما انتشرت شائعات حول سفاح الإسكندرية الذى يقتل النساء وعرف باسم أمین محمود سلیمان، واضطرتنى ظروف العمل أن أسافر إلى الإسكندرية فسمعت من الناس هناك قصصًا غريبة من نسج خيالهم المليء بالخوف والفزع وتصوروا أن هذا الوحش يرتكب جريمة كل دقيقة وينام على دماء ضحية ويصحو على استغاثة ضحية أخرى، وهكذا حتى امتلأت نفسى بالخوف والفزع من ذلك الجو المضطرب المشحون بالشائعات، وكانت ظروف العمل تتطلب وجودى فى الإسكندرية بضعة أيام ولهذا كنت أقضى النهار فى العمل حتى إذا جاء الليل أسرعت إلى الفندق وأغلقت علىّ أبواب حجرتى لأنام لليوم التالى، ومهما حدث فلا يمكن أن أفتح الباب.

لقد قررت أن أقطع كل صلاتى بالعالم خارج غرفتی وأقصى ما أسمح به من وسائل الاتصال هو أن أرد على التليفون، ولكن ذات مساء نسیت أمر هذا الوحش وخرجت من الفندق وذهبت إلى إحدى دور السينما القريبة من الفندق لمشاهدة فيلم لم أقرأ اسمه ولا أسماء أبطاله، وما كادت تنتهى مقدمة الفيلم حتى عرفت أنه يروی قصة وحش يطارد النساء فى كل مكان، فتذكرت عندئذ الشائعات التى تقال عن السفاح، فارتعشت قدمای من شدة الخوف وفكرت فى مغادرة السينما ولكننى خشيت أن تلعب الصدفة دورها فيكون الوحش فى انتظارى فعدلت عن الخروج من السينما، ولكن الخوف استبد بى فأغمضت عینی حتى لا أرى حوادث الفيلم، ورغم هذا لم تعرف أعصابى الهدوء، وانتهى الفيلم وغادرت دار السينما وبحثت عن تاكسی فتشاء الظروف ألا تكون هناك مواصلات، لأن كل التاكسيات كانت مشغولة فى نقل رواد السينما، ولكن لا بأس، المشوار بين السينما والفندق لا يزيد عن بضع دقائق. 

استجمعت كل شجاعتی وقررت أن أذهب سيرًا على الأقدام وبينما أنا أسير فى الطريق إذا بی أحس بوقع أقدام تتبعنى، تقترب منى شيئًا فشيئًا، ولسوء الحظ  كان الشارع الموصل إلى الفندق خاليًا تمامًا من الناس، التفت خلفى بسرعة فكان الذى يتتبعنى رجلًا فاحم اللون قصير القامة فدخل فى روعى أنه السفاح بلا شك!!

أسرعت الخطى فأسرع الخطى ورائی فصرخت «الحقونى» ثم جريت وأنا أضاعف من صراخی حتى تجمع الناس ونفخ الشرطى فى صفارته وهو يقبل نحوى ووقف الرجل الأسود فأشرت إليه وأنا أقول «السفاح.. السفاح» فأمسك به رجل البوليس، أما أنا فجريت نحو الفندق ولكن رجل البوليس أخذ ينادينى قائلًا «يا ست.. انتظرى من فضلك»، فوقفت حتى أصبح أمامى ومعه الرجل الأسود وجمهور كبير من الناس، سألنى الشرطى «الرجل ده عملك حاجة ؟»، فقلت «ايوه كان ماشی ورايا وكأنه يعد علىّ خطواتى وأنفاسى»، فضحك الرجل الأسود وهو يمد يده بقفاز يدى ويقول «أصل  القفاز ده وقع من حضرتك.. وأنا كنت عايز انده لك ولم أفهم انك كنت تهربین منی»!!.

واتضح أنه لم يكن السفاح إذن وإنما كان عم حسن المنادى الذى يقف أمام دار السينما فشكرته واعتذرت له وبينت أننى كنت معذورة لأنى كنت خائفة ومذعورة، وعدت إلى حجرتى بالفندق، وأغلقت الباب بإحكام، وقررت عدم الاتصال بالعالم الخارجى إلا من خلال التليفون فقط!.

سامية جمال  «الكواكب» 8 أغسطس 1961

 

هى ودموعه

بقلم: أحمد رجب

الحب يشيع فى كل الأغانى، وهذا شيء طبيعى، إنما الشيء غير الطبيعى أن تدور معظم أغانى الحب عندنا حول الحبيب اللى فات والحبيب اللى راح الله يمسيه بالخير!.


ولا أعرف سراً لهذه الظاهرة إلا أن يكون مؤلف هذا اللون من الأغانى الشائعة بكثرة، واحداً من الآتى بيانهم.. مؤلف بكى عند مولده بلا سبب وبعد زواجه عرف السبب الحقيقى لبكاء الرجال عند مولدهم، هنا يصبح أمراً عادياً أن يهرب المؤلف إلى ذكرى البنت التى لم تصبح زوجته، والتى لم تزن على دماغه أبداً ليصحبها إلى أقسام البضائع المستوردة، والتى لم تكن تكلفه - الله يمسيها بالخير - إلا ثمن فنجان شاى فى جنينة الأسماك جداً إذن أن يحدثنا مؤلف الأغنية عن الحبيبة اللى راحت هذه، وأن يذكرها بالدموع لأن ما كانش لها تكاليف من البديهى.
ثانياً - مؤلف يرى أن الحب نوع من أنواع الاستعمار الحريمى، إذ تقوم المرأة بحشد جميع أسلحتها للقيام بعملية غزو شامل تسيطر خلاله على جميع المرافق العامة فى الرجل، قلب الرجل، وعقل الرجل، وأعصاب الرجل، ومحفظة الرجل أيضاً، ثم ترفع علمها فوق رأس الرجل لتعلن أنه قد أصبح مستعمرة نسائية خاضعة لنفوذها، ثم تنتقل نفس هذه المرأة للقيام بعملية استعمارية لرجل جديد يخضع لها نفس خضوع المؤلف المستعمرة، وهنا لا يجد المؤلف فكاكاً للتحرر منها فيلجأ إلى الصراخ والصويت والبكاء، وشيء طبيعى جداً إذن أن نسمع من هذا المؤلف كلاماً غاضاً عن الحب اللى كان والحبيبة اللى راحت الله لا يمسيها ولا يصبحها مطرح ما هى قاعدة، غير أننى أتلمس العذر لمؤلفى هذه الأغانى، إنهم يتحدثون عن الحب اللى راح هو أن الحب المبتور له سحر خاص، إذ أنه حب لم يصل إلى المأذون ولم ينتقل إلى مقره الأخير فى بيت الزوجية !
فلو أن كل حب من ماركة اللى فات واللى راح قدر له أن يستمر إلى مداه لكانت نهايته هى قراءة الفاتحة على روح الحب عندما يضع العريس يده فى يد «أبو العروسة»!
ولو أن مؤلفى هذه الأغانى الذين يكثرون من الحديث عن اللى فات واللى راح عرفوا قصة صديقى المرحوم محمد الفلانى لاقتصدوا فى دموعهم وصويتهم بسبب الهجر والفراق، فقد كان صديقى محمد الفلانى شاعراً رقيقاً شفاف العاطفة. قال أحلى كلام فى الدنيا عندما افترق عن حبيبته التى أصر أهلها على تزويجها من رجل آخر، وتشاء المقادير أن تنفصل الحبيبة عن الرجل الذى تزوجته بالإكراه لتقترن بصديقى الشاعر الرقيق، وحمل محمد الفلانى - خلال شهر العسل - لقب : حضرة صاحب السعادة الزوجية، ثم مرت بعض السنين ليفقد صديقى هذا اللقب، ثم أعقبتها أعوام أخرى لترقد الزوجة على فراش الموت وإلى جوارها صديقى يستمع إليها وهى تقول: اغفر لى يا محمد.. فقد عذبتك كثيراً أثناء زواجنا، كنت قاسية دائماً ووريتك المر ألوان وأشكال بينما كنت أنت طيب ومسامح. 
وهنا قال محمد:
- أنا ؟؟
- أيوه يا محمد..
فرد محمد قائلاً:
- أما إنك ساذجة ! أمال فاكرة مين اللى حط لك الزرنيخ فى الكفتة؟
من كتاب «توتة توتة»