غرقت بكين الأسبوع الماضي – التي تبنّت مشروع "المدن الإسفنجية" كحل هندسي مبتكر لأزمة المياه – تحت وطأة فيضانات مدمرة كشفت عن هشاشة البنية التحتية أمام تغير المناخ.
وبالتالي، ما كان يُسوَّق كنموذج عالمي لمواجهة السيول، تحوّل إلى درس عملي في حدود الطموح أمام الواقع، بينما تُواصل العاصمة الصينية بكين، مواجهة أزمة مزدوجة، بين غرق في الصيف وعطش على مدار العام، فما القصة؟؟
اقرأ أيضًا| فيضانات تكساس الكارثية تودي بحياة أكثر من 100 شخصًا
الفيضانات تهز العاصمة الصينية
أجبرت العواصف المطيرة الأخيرة السلطات في بكين على إجلاء أكثر من 80 ألف شخص من المناطق المُعرضة للخطر، بعدما أودت الفيضانات بحياة 44 شخصًا على الأقل، ورغم أن المدينة تجاوزت موجة الأمطار الغزيرة الأخيرة، فإن حالة التأهب القصوى ما زالت قائمة، في ظل تحذيرات من تفاقم الظواهر الجوية بسبب تسارع تغير المناخ.
ففي مواسم الأمطار الصيفية، لا تحتاج بكين إلى أكثر من ساعات لتتحول شوارعها إلى مجاري مائية، كما حدث في كارثة 2012 التي أودت بحياة 79 شخصًا، غرق بعضهم في أنفاق السيارات، بينما حوصر آخرون في شقق الطوابق السفلية، وغالبًا ما تكون الإحصاءات الرسمية أقل من الواقع، إذ إن العمال المهاجرين – الفئة الأكثر هشاشة – هم الأقل ظهورًا في سجلات الضحايا، وفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.
مفارقة الغرق والعطش
رغم معاناتها من الفيضانات، تعيش بكين أزمة عطش حادة؛ إذ لا يتجاوز نصيب الفرد 150 مِترًا مُكعبًا من المياه العذبة سنويًا، أي أقل بكثير من معيار الندرة المطلقة عالميًا (500 متر مكعب)، وهذا الرقم محسوب على أساس تعداد رسمي يبلغ 23 مليون نسمة، وسط تقديرات بأن الرقم الفعلي أكبر، ما يفاقم الضغط على الموارد.
الجدير بالذكر أن، اختيار بكين عاصمة للصين يعود لعوامل تاريخية واستراتيجية، إذ فضلها الغزاة الشماليون مثل المغول لقربها من أراضيهم، لكن المدينة تاريخيًا كانت أقل سكانًا بكثير، ما جعل موارد المياه كافية آنذاك، لكن اليوم، ومع تضخم عدد السكان، تحولت الندرة إلى أزمة حقيقية.
استنزاف المياه الجوفية
بينما تفرض مدن شمالية أخرى قيودًا على استهلاك المياه، تتجنب بكين هذه السياسة لوجود النخبة السياسية، ما سمح باستمرار حفر الآبار – القانونية وغير القانونية – خاصة للمنتجعات الصحية، وأدى ذلك إلى انخفاض حاد في منسوب المياه الجوفية، ودفع العاصمة الصينية للاعتماد على مشروع "نقل المياه من الجنوب للشمال" منذ 2003، وهو مشروع ساعد بكين لكنه دمّر قرى جنوبية.
كما تتساقط 70% من أمطار بكين في الصيف، خاصة في يوليو، فيما أدت التغييرات الزراعية عبر القرون إلى إزالة النباتات الواقية، ما جعل المدينة أكثر عرضة للفيضانات، ورغم توسع المساحات الخضراء مُؤخرًا، فإن التوسع العمراني ابتلع الحقول التي كانت تمتص المياه.
بنية تحتية منهكة
يعتمد نظام الصرف الصحي في بكين على معايير سوفيتية قديمة تعود لثمانينيات القرن الماضي، ولم يُستبدل رغم وعود التحديث، بينما تُفضل السلطات الاستثمار في مشاريع لامعة مثل القطارات السريعة وناطحات السحاب على أعمال الصرف "غير المرئية"، ومع تغير المناخ، أصبحت العواصف المُدمرة حدثًا شبه معتاد.
بينما روّجت الصين لمفهوم "المدن الإسفنجية" كحل بيئي، يهدف إلى امتصاص مياه الأمطار وتخزينها وإعادة استخدامها، وهو نموذج لاقى إعجابًا عالميًا، لكن التجربة أظهرت أن هذه المدن لم تنجح بعد في مواجهة الفيضانات واسعة النطاق، خاصة في ظل تسارع التوسع العمراني.
اقرأ أيضًا| بعد بيان مشترك مع بوتين.. هل تعيد بكين النظر في استراتيجيتها النووية؟



روبيو يجدد التزام الولايات المتحدة بأمن الكويت
لبنان: رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران
إسرائيل تعلن تصفية «قيادات بارزة» في حركة حماس بقطاع غزة







