«الحاجة إلى الحشد الشعبي في العراق انتفت».. تصريح عفوي صدر عن السفير البريطاني في العراق، لكنه يًعيد للصدارة استراتيجية الغرب في مرحلة مابعد تفكيك الدول المركزية. في العام 2003 اجتاحت القوات الأمريكية العراق تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، واحتفلت القوات الأمريكية آنذاك بنهاية عصر وصفته بالديكتاتوري،وبداية عهد جديد عنوانه الديمقراطية، وتحولت الأبصار في دول الإقليم إلى بغداد أملاً في ولادة هذا النظام الديمقراطي، عله يكون البوصلة التي تهتدي إليها دول المنطقة مستقبلاً. مرت الأشهر، ثم السنوات، ولم يزدهر العراق كما وُعد، بل انحدر من أزمة إلى أخرى، من بلد يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم العربي، إلى بيئة خصبة لازدهار الميليشيا على أنقاض الدولة.
الحديث عن الصدفة فيما يشهده العراق سذاجة سياسية، لأن ما يحدث يتم وفق مخططات تهم «هندستها» في الغرف المغلقة، بحيث يتحول العراق إلى نموذج طائفي لن تقوم له قائمة مجددًا، حيث صاغت واشنطن بصورة غير مباشرة، دستورًا جديدًا يكرس مبدأ المحاصصة بين المكونات العرقية والطائفية، وجعلت الهوية المذهبية هي مفتاح السلطة، بدلًا من الهوية الوطنية الجامعة، وتردد على مسامعنا للمرة الأولى مصطلح «الرئاسيات»، حيث منصب الرئيس للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة، وكأن الدولة عبارة عن ثلاث جزر سياسية لا يجمعها سوى «الاسم».
•••••••
هكذا، ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث، لم يعد الولاء للوطن هو المعيار، بل الانتماء للطائفة أو القومية. وبذلك أُعيد إنتاج الانقسام المجتمعي في صورة مؤسسية، برعاية مباشرة من واشنطن ولندن. لقد نجح الغرب في تثبيت النظام الطائفي على مستقبل العراق، بحيث تبقى أي حكومة أو برلمان رهنًا لتوازنات مذهبية، ومن ثم عاجزة عن اتخاذ قرارات وطنية حقيقية.
لكن الدور الغربي لم يتوقف عند البنية الدستورية والسياسية، فبعد أن وضعت الولايات المتحدة الأسس القانونية للطائفية، تركت الساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية، التي وجدت في العراق ساحة مثالية لمد نفوذها عبر دعم فصائل مسلحة ذات ولاء عقائدي، وفي المقابل شجع الغرب بعض القوى الإقليمية الأخرى على دعم جماعات مسلحة مناوئة، لتبقى المعادلة مشتعلة، ويظل العراق غارقًا في نزاعات مذهبية لا تنتهي.
أمام هذه الفوضى السياسية التي تخلف حتما اقتتال داخلي، يتداعى إلى الذهن الاستراتيجية الغربية التي يمكن أن يطلق عليها «إدارة الفوضى»، فالطائفية تخلف دولة غير قادرة على التماسك من الداخل، ما يجعلها بحاجة دائمة إلى تدخل خارجي لـ« توفيق الفرقاء»، هذا التدخل الخارجي يمثل الضمانة الحقيقية لبقاء النفوذ الغربي، حتى بعد انسحاب العسكري من الأراضي العراقية.
لعل المثال الصارخ في هذه الصدد، ظهور تنظيم «داعش» عام 2014، ونجاحه في احتلال مساحات واسعة من العراق، كان الغرب حاضرًا لإدارة المشهد من جديد. بدلاً من أن تكون المعركة ضد داعش مشروعًا لإعادة بناء وحدة العراق الوطنية، تم تقديمها باعتبارها معركة وجود بين مكونات طائفية، مما عزز الانقسام بدل أن يزيله.
الغرب يعرف جيدًا أن الميليشيات الطائفية، مثلها مثل النظم السياسية الطائفية، ليست سوى أدوات يتم توظيفها بصورة مؤقتة، تُستخدم لإبقاء الدولة في حالة عدم استقرار، حتى يسهل التحكم بها، وعندما تنتفي الحاجة إليها، تُستبدل بأدوات أخرى أكثر ملاءمة لمتطلبات المرحلة التي المرحلة التالية.
•••••••
لقد كان العراق، قبل 2003 دولة مركزية قوية، رغم كل ما شاب نظامها من انتقادات تتعلق بغياب الديمقراطية، غير أن تفكيك النظام العراقي لم يكن غاية في ذاته، بل كان خطوة ضمن استراتيجية أوسع تستهدف كل الدول العربية القادرة على تشكيل محور إقليمي مستقل عن الإرادة الغربية. والغرب لم يخفِ يوماً أن العراق كان بوابة الشرق الأوسط، وأن السيطرة عليه تعني التحكم في جزء كبير من معادلة الطاقة والسياسة في العالم.
إن قراءة المشهد العراقي اليوم تُعري حقيقة الديمقراطية الغربية، وتكشف أن الديمقراطية المستوردة من الخارج «معطوبة». والأخطر أن هذا النموذج الطائفي بدأ يتسلل، بشكل أو بآخر، إلى دول عربية أخرى، تحت عناوين مختلفة، لكن الجوهر واحد: تحويل الدولة إلى ساحة ألغام قابلة للانفجار.
في الوقت نفسه، لابد من تسليط الضوء على أن تفكيك الأنظمة لا يعني بالضرورة بناء دول أفضل، خصوصًا إذا كان المهندس هو نفسه الذي رسم خرائط سايكس–بيكو قبل نحو قرن. الغرب بارع في تفكيك الخرائط السياسية، لكنه لا يملك إرادة بناء وطن جامع، لأنه ببساطة لا يستفيد من ذلك.
بيت القصيد.. الرهان على التغيير عبر التفكيك بات خنجرًا مسمومًا في ظهر الأمة. دروس الماضي البعيد والقريب تدحض مزاعم الديمقراطية الغربية. الوطن الأم يُعلي من قيم المواطنة على حساب «الطائفية». «دسترة» الانقسام تحت أي مسمى لا ينحى بالوطن نحو الاستقرار أو التنمية، بل يحول الشعب إلى كيانات متناحرة تنتظر لحظة الانفجار. انتفاء الحاجة لأي فئة محلية حينما يصدر عن قوى خارجية، يؤشر إلى مشهد جديد يُعاد هندسته خلف الكواليس.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







