يوميات الأخبار

يوليو.. ما قبلها وما بعدها؟

د.محمد عفيفى
د.محمد عفيفى


والمثير أن بعض العناصر المدنية هى التى أطلقت سريعًا على ما حدث مصطلح «ثورة»، وبالقطع تقبل الضباط الأحرار هذا المصطلح بترحاب شديد.

اعتدنا فى السنوات الأخيرة على متابعة سجال وجدل، يصل إلى حد الزوابع على صفحات التواصل الاجتماعي، على الشبكة العنكبوتية، كلما هلَّت علينا ذكرى 23 يوليو 1952، حتى أصبح هذا الجدل حالة مزمنة فى حياتنا السياسية والثقافية.

وللأسف الشديد يكاد يتطابق الجدل والسجال فى كل عام، فالأسئلة هى هي، وحالة رفض الآخر تتعاظم كل عام، بحيث لا يتحول الجدل إلى نقاش ووصول إلى حالة وسط، بشأن تحليل وتقبل ما حدث فى يوليو 1952، كجزء من تاريخ الشعب المصري. فى حقيقة الأمر، يثبت هذا الجدل مدى ما وصل إليه العقل المصري، والعربى أيضًا، من حالة تصلب الشرايين الفكرية، والرغبة فى الجدل لمجرد الجدل أحيانًا، فضلاً عن سلفية العقل العربي، فهو ما يزال حبيس التاريخ، ولا يستطيع الفكاك منه لمواجهة الواقع الأليم.

ما زال العقل المصرى سجينًا لفكرة الثنائيات: الأبيض والأسود، الحسن والقبيح. على الرغم أن العلم الحديث تجاوز فكرة الثنائيات، ووصل إلى أن كل الأمور نسبية، وأن حتى مصطلح «الموضوعية» الذى يتشدق به كثيرًا، وكل منا يدعى أن رأيه يتسم بالموضوعية، اكتشفَت العلوم الإنسانية أن حتى الموضوعية هى موضوعية «نسبية».

عودة إلى ظاهرة الأسئلة المزمنة التى لا نصل إلى إجابة لها، فإن السؤال الأول على مائدة الجدل السنوى حول يوليو هو: ثورة أم انقلاب؟ هل ما حدث فى 23 يوليو 1952 هو ثورة أم انقلاب عسكري؟ وتتعالى الأصوات، وتحتد نبرة النقاش على صفحات التواصل الاجتماعي، وينقسم هؤلاء إلى فُـسطاطين: فسطاط الثورة، وفسطاط الانقلاب.

وفى كل عام يتم نصب الفسطاطين والعراك بالصراخ: ثورة، لأ انقلاب. ولم يسأل أحد نفسه ما معنى ثورة وما معنى انقلاب؟ كما أن طرح السؤال على هذا النحو: ثورة، لأ انقلاب؟ يُصَوِّر الثورة على أنها الأبيض، والانقلاب على أنه الأسود، وهكذا نعود من جديد إلى أزمة العقل العربي، بل وضياعه بين الثنائيات الأبيض أو الأسود، مع أنه بين الأبيض والأسود هناك مساحة واسعة، وألوان متعددة، أشهرها الرمادي، الذى هو فى حقيقته أبيض وأسود معًا! عودة إلى الثنائيات التى تحكم العقل العربي، من ليس معنا فهو علينا، مع أن شئون الحياة وحوادث التاريخ لا تؤكد ذلك.

لم يرجع هؤلاء إلى معنى الثورة فى العلوم الاجتماعية، وأنها حالة طارئة فى حياة المجتمعات، تحدث نتيجة أزمة، ويقوم بها الشعب، ولكى يُطلق عليها ثورة لا بُد أن تنجح وتصل إلى الحكم، وتُحدِّث تغيرات عميقة فى المجتمع، وعلى ذلك يُطلق عليها ثورة. أما إذا لم تنجح ولم تصل إلى الحكم، وبالتالى لم تُحدِث متغيرات جذرية، فلا يُطلق عليها ثورة، وإنما يُطلق عليها انتفاضة أو حركة شعبية.

لكننا فى حقيقة الأمر ابتذلنا كثيرًا كلمة «ثورة»؛ إذ اعتدنا أن نقول «الثورة الإدارية» عند الحديث عن أى تطوير إداري، و»الثورة الخضراء» عند الحديث عن أى مشروع من مشاريع الاستصلاح الزراعي. بل والأكثر من ذلك حرصنا على أن يمتلئ تاريخنا بالثورات، إذا نظرنا إلى كتب التاريخ المدرسية، سنجد الحديث عن «ثورة القاهرة الأولى» و»ثورة القاهرة الثانية» فى زمن الحملة الفرنسية، بينما هى فى عرف العلوم الاجتماعية «انتفاضات شعبية». والأكثر من ذلك أن المؤرخين العلميين الأجانب لا يعتبرون الثورة العُرابية ثورة، ليس بغرض التقليل من شأنها، ولكن لأنها لم تنجح ولم تصل للحكم نتيجة الاحتلال الإنجليزى لمصر فى عام 1882.

الأمر الجدير بالملاحظة أن الضباط الأحرار فى 23 يوليو 1952، لم يطلقوا على ما قاموا به فى البداية «ثورة» بل تحدثوا عن «حركة الجيش» ثم تطور المصطلح إلى «الحركة المباركة»، والمثير أن بعض العناصر المدنية هى التى أطلقت سريعًا على ما حدث مصطلح «ثورة»، وبالقطع تقبل الضباط الأحرار هذا المصطلح بترحاب شديد.

والسؤال الآن: هل حدث تأييد شعبى لحركة الجيش؟ فى حقيقة الأمر، حدث بعض التأييد الشعبى فى البداية سواء لطبيعة شخصية اللواء محمد نجيب، أو نتيجة بعض الإصلاحات الاجتماعية مثل قوانين الإصلاح الزراعي. لكن هذا التأييد النسبى تراجع كثيرًا مع إبعاد محمد نجيب عن الحكم، والصراع بين بعض أجنحة الضباط الأحرار. ثم ظهر التأييد الكاسح لعبد الناصر فى عام 1956 مع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثى على مصر. وهنا لم تقتصر شعبية عبد الناصر على مصر فقط، ولكن امتدت إلى معظم الشعوب العربية.

لكن هذه الشعبية تراجعت بشدة مع هزيمة يونيو 1967، وظهر ذلك من خلال الحملات الإعلامية المناهضة لعبد الناصر فى بعض الدول العربية، والشماتة فى احتلال أرض «الزعيم» على يد إسرائيل. كما ظهر ذلك فى مظاهرات الطلاب فى مصر فى عام 1968 اعتراضًا على محاكمات قادة الطيران، وعادت صورة المظاهرات الطلابية فيما قبل 52 إلى الظهور من جديد، فى ظاهرة لافتة ستتكرر بعد ذلك لا سيما فى عام 1972.

السؤال الثانى والذى يطرح نفسه بشدة، وسط موجة التعميمات التاريخية، والأحكام التى لا تستند إلى وقائع التاريخ، بقدر ما ترتكز أساسًا على المكايدة السياسية: متى انتهت ثورة يوليو؟ هل نستطيع أن نقول إننا نعيش فى ظل ثورة يوليو حتى الآن؟

فى الحقيقة يردد مناهضو ثورة يوليو هذا الإدعاء، أننا ما زلنا نعيش مع ثورة يوليو حتى الآن. والحق أن هذا الرأى يأتى ضمن أزمة التعميمات التاريخية التى يميل إليها العقل العربى بشدة، وتحكم نظرته إلى التاريخ، بل وإلى الحياة بشكل عام.

فهل يمكن أن نقول إن ثورة يوليو انتهت مع هزيمة يونيو 67 وانهيار الحلم العربي، وإقرار عبد الناصر نفسه فى اجتماعات مجلس الوزراء المصرى بعد يونيو 67 بأن «التجربة قد انتهت وعلينا أن نبدأ من جديد»؟ وعلى أقل تقدير نستطيع أن نقول إن تجربة ثورة 23 يوليو قد انتهت مع رحيل عبد الناصر فى سبتمبر 1970، ومجيء السادات إلى الحكم. وربما يظهر ذلك جليًا فى إطاحة السادات مبكرًا بالعديد من خيرة رجال عبد الناصر فى 15 مايو 1971، بل وبحث السادات عن مشروعية جديدة لنظام حكمه تكون بديلاً عن مشروعية ثورة 23 يوليو، من هنا يُطلق السادات على حركة الإطاحة برجال عبد الناصر «ثورة التصحيح»، ثورة 15 مايو، معلنًا أن نظام حكمه يستند إلى مشروعية جديدة هى ثورة 15 مايو.

لكن الشعب لم يتقبل هذه المشروعية الجديدة، ولم يبق من هذه الثورة المزعومة غير كوبرى 15 مايو، ومدينة 15 مايو!
ومع انتصار أكتوبر 1973، يعود السادات من جديد إلى محاولة خلق مشروعية جديدة لنظام حكمه، تختلف عن مشروعية يوليو، وهى مشروعية أكتوبر. ويتجلى ذلك فى اختياره لحسنى مبارك نائبًا له، على أساس- وكما قال السادات- نسلم الشعلة إلى جيل أكتوبر.

والأهم من كل ذلك هو التغيير السياسى والاقتصادى الذى أحدثه السادات معلنًا نهاية عصر يوليو، بإلغاء الاتحاد الاشتراكي، وعودة الأحزاب، وسياسة الانفتاح الاقتصادى بديلاً عن حتمية الحل الاشتراكي. ولا بُد من الإشارة إلى المناخ العالمى ومتغيرات النظام العالمي، واختفاء الزعامات التاريخية، ثم بعد ذلك سقوط الأيديولوجيات.

هل بعد كل ذلك نستطيع تقبل التعميم التاريخى بأننا ما زلنا نعيش عصر ثورة يوليو؟ هل يمكن التطابق بين مصر عبد الناصر، ومصر السادات، ومصر مبارك؟ كيف يمكن القفز فوق متغيرات كبرى مثل ثورة 25 يناير و30 يونيو، سواء كنت معها أو ضدها، والقول بأننا ما زلنا نعيش عصر ثورة يوليو؟ إن السقوط فى كهف التعميمات التاريخية يؤدى بنا إلى الحالة التى نحن عليها فى مجالس النقاش، كما أن الانحيازات السياسية ما زالت تحكم نظرتنا إلى التاريخ، والأهم أننا للأسف الشديد ما زلنا حبيسى نظرة الأبيض والأسود، وبالتالى سياسة العواطف، لا سياسة المنافع. 

متى نصل إلى الموضوعية النسبية؟!