مصرنا

حين تكتب القاهرة الرواية.. من يملك المونتاج؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا


ليست القضية اليوم في من يرفع صوته أولا بل في من يصمد حتى النهاية. ومصر التي كتبَت روايتها بدم الشهداء وعرق البنّائين لم تكن يوما أسيرة مونتاج الآخرين. إنها تكتب الحقيقة كما عاشتها، لا كما يُراد لها أن تُقتطع وتُركّب في قوالب مزيفة.

في المعركة الكبرى بين الوعي والتزييف تحاول قوى الشر أن تُخرج مشهدا مرتبكا تُلون فيه الحقائق وتُجتزأ فيه المواقف وتُعاد فيه صياغة الأصوات. لكن القاهرة لا تُخرَج من المشهد، لأنها ببساطة هي المشهد.

من رفح إلى نيويورك الكاميرا تدور والميكروفونات مشغولة، أما مصر فتمضي بصوت لا يحتاج مكبرات لأنها تعيش وتعمل وتدفع من دمها ثمن الحقيقة.

إنهم يحاولون السيطرة على "مونتاج" الأحداث. يقطعون من خطاباتها ما يوافق هواهم ويتركون من مواقفها ما لا يخدم أجنداتهم ثم يدّعون أنها صامتة، أو متواطئة، أو غائبة. ولكن هل غابت مصر يوما عن فلسطين؟ عن السلام؟ عن الحق؟ عن الحرب؟ عن الصمود؟

منذ عقود طويلة لم تغب القاهرة عن الحضور حتى حين صمت الآخرون. لم تتأخر عن دعم قضية ولم تتخلّف عن ساحة نضال. لم تكن يوما باحثة عن دور بل كانت هي صاحبة الدور . والذين يحاولون اليوم طمس هذا الحضور لا يفعلون إلا لأنهم يعجزون عن مجاراته أو احتوائه.

الوعي المصري لا تُعيد تشكيله محطات ممولة ولا تشتته موجات عابرة. إنه وعي تراكم عبر قرون من الانتصارات والانكسارات من محن صنعت الصلابة ومن تجارب حفرت في وجدان الشعب أنه لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة الوطنية.

الرواية المصرية لا تُحكى فقط بل تُحسّ وتُلمس في نبض الشارع وفي حناجر الجنود وفي مواقف القيادة وفي دماء الأبطال التي تسقي الحقيقة لتظل حية.

أما منصات القصّ واللصق فهي تعرف تمامًا أن الحقيقة الكاملة تُربك سردياتها ولهذا تكتفي باجتزاء المشهد. ولكن مصر حين تتكلم لا تهمس بل تُسمِع. وحين تصمت فهي تترك للواقع أن يروي ما لا يحتاج تعليقًا.

القاهرة لا تبحث عن مونتاج يُجمّلها فهي تعرف أن جمالها في صدقها. لا تطلب إعادة ترتيب زوايا التصوير لأنها تفتح أبوابها على المدى وتواجه العالم بوجهها الحقيقي لا بعدسات فلاتر مموّهة.

حين تكتب القاهرة الرواية فلتصمت كل محاولات المونتاج المُسيّس ولتخجل كل المنصات التي تعيش على القصّ واللصق. فالرواية المصرية لا تُحرّر على طاولات المخابر بل تُصاغ في الميدان على جبهات القتال وفي شرايين الشرف.

هذه مصر… لا تحتاج مونتاجا بل تحتاج فقط أن يُعرض المشهد كاملا نقيّا كما هو: ممهورا بالدم مختوما بالعزة، ومرفوعا على جبين التاريخ.