متحف القناة ذاكرة مصرية تحفظ شرف الحفر والتأميم

متحف القناة ذاكرة مصرية
متحف القناة ذاكرة مصرية


من قلب مدينة الإسماعيلية، وعلى ضفاف ذاكرة الوطن، يقف متحف قناة السويس كمنارة شاهقة للوعى والتاريخ، لا يكتفى بعرض المقتنيات، بل يعيد سرد قصة من المجد صنعها المصريون بعرقهم وسواعدهم وعزيمتهم التى لا تلين، منذ لحظة دخولك إلى هذا المتحف، لن تكون مجرد زائر.. بل مسافر عبر الزمن، يُنقَل من حاضرٍ صاخب إلى ماضٍ مجيد، حيث كانت الأرض تُشقُّ بالمعاول، والأمل يُشقُّ فى الصدور.. تسير بين أروقته وكأنك تعبر دهاليز التاريخ نفسه، تتوقف أمام ما تبقى من ماكينات الحفر الأولى، فتمتد بك الذاكرة إلى زمن كان فيه العمل شاقًا والإنجاز مستحيلًا، لكنها مصر، حيث لا مستحيل، وتجد نفسك فجأة فى مواجهة عربات قطار كانت تقل ملوكًا، وكرمت أمراء، ورافقت حكامًا من عصر محمد على باشا إلى الملك فاروق، وهى لا تزال محتفظة بلمعانها، وكأن الزمان يأبى أن يمر عليها.


أهمية متحف قناة السويس ليست مستمدة فقط من مقتنياته، بل من حجارة جدرانه نفسها، فهى تنطق بالتاريخ، وتشهد عليه، فهذا المبنى الفريد لم يكن يومًا مجرد مقر إداري، بل كان قلبًا نابضًا لمشروع القرن التاسع عشر، حيث أدار منه المهندس الفرنسى فرديناند ديلسبس عملية الحفر، وترأس التحضيرات لحفل الافتتاح الكبير، وشهد بدايات المجرى المائى الذى غيّر خريطة التجارة العالمية إلى الأبد.
ولأن التاريخ لا ينسى، فقد ظل هذا المبنى حاضرًا أيضًا خلال واحدة من أعظم لحظات الكرامة الوطنية، حين انطلقت منه الشرارة الأولى لعملية تأميم قناة السويس عام 1956، ليعود الشريان المصرى إلى حضن الأمة، وتُعلن القناة شركة مصرية خالصة، إدارةً وملكية.. واليوم، لا يقف هذا المبنى كمجرد صرح حجري، بل كتحفة معمارية تجمع بين عبق الطابع الإسلامى ورصانة الطراز الأوروبي، بمساحة تقترب من 10 آلاف متر مربع، تتوسطها ساحة مفتوحة تحيط بها أكثر من 100 حجرة، ويحتضن بدرومًا مساحته 1200 متر، ويُحيط به بستان من الأشجار والممرات تحكى أيضًا حكاية المكان.. داخل المتحف، تتوزع القاعات كصفحات من كتاب تاريخى حيّ، أبرزها تلك التى تُسلّط الضوء على حفر القناة وإدارتها، مرورًا بمراحل تطهيرها وإعادة الملاحة فيها بعد نصر أكتوبر، ومن أبرز المعروضات تمثال «ديلسبس» الذى ظل شامخًا فى بورسعيد حتى تم نقله إلى المتحف بعد ثورة يوليو، وهو ليس مجرد نصب حجري، بل رمز لفترة من التحديات والتغيرات الكبرى فى الشرق الأوسط.
تتأمل آلة قطع المعادن المستخدمة فى بناء الجسور والسدود، ومرجلًا بخاريًا كان يسخن الماء لتحريك قاطرات الحفر، وتتوقف طويلًا أمام القطع الخاصة بالسفن العثمانية التى حضرت حفل افتتاح القناة، فتدرك أنك لست فى معرض، بل فى أرشيف حى لقصة ملحمية عنوانها: «الإرادة المصرية»، وفى زاوية أخرى، يأخذك المتحف إلى مشهدٍ ملكى من الزمن الجميل، حيث يقف رصيف لمحاكاة محطة سكة حديد الإسماعيلية، ترسو عليه عربتان استخدمهما الملك فاروق بنفسه فى زيارته لحفل افتتاح القناة، بصحبة كبار الضيوف من ملوك وأمراء العالم.