هل القضية الحقيقية لدى الجماعة هى فلسطين؟ أم أن الخصومة مع الدولة المصرية أصبحت هى الأولوية المطلقة؟
أثارت أنباء خروج مظاهرات لعناصر محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين أمام السفارة المصرية فى تل أبيب، كثيرًا من الجدل، ليس فقط بسبب الحدث ذاته، بل بسبب دلالاته العميقة ومكانه الرمزي، فهل يعكس ذلك تحولًا فى استراتيجيات الجماعة؟ وهل يُعد هذا الفعل جزءًا من مشروع أوسع يستهدف الدولة المصرية؟ أم أنه مجرد فعل دعائى محدود الأثر؟
لا تمثل المظاهرات الخارجية - حتى لو كانت فى عواصم كبرى - تهديدًا مباشرًا أو حقيقيًا لبنية الدولة المصرية، ولكن عندما يكون موقع المظاهرة هو تل أبيب، وعندما يكون المشاركون من جماعة طالما رفعت شعار «المقاومة»، فإن الحدث يكتسب طابعًا رمزيًا شديد الحساسية، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية:
كيف لجماعة تهاجم إسرائيل ليلاً نهاراً، أن تحتج على مصر من داخل أراضيها؟
وما الرسائل التى تسعى الجماعة لتوجيهها من خلال هذا المشهد المتناقض؟
وما مدى ارتباط هذا التحرك برغبة أوسع فى إحراج الدولة المصرية وتشويه صورتها؟
لا يمكن فصل هذا الحدث عن المشهد الإقليمي، وتحديدًا الحرب الجارية فى غزة، والتى تلعب فيها مصر دور الوسيط والمسؤول عن ضبط حدودها وتأمين أمنها القومى فى سيناء، وفى ظل تصاعد التعاطف العربى مع القضية الفلسطينية، تسعى جماعة الإخوان إلى استثمار هذا المناخ للترويج لنفسها كطرف أكثر التزامًا بالقضية، وأكثر معارضةً للتطبيع، حتى لو كان ذلك عبر مفارقة كبرى: التظاهر داخل الدولة التى تعتبرها عدوًا.
هذا التناقض يشى بمحاولة الجماعة لإحداث شرخ فى المشهد السياسى المصري، والتأثير على الرأى العام المحلى والدولي، وتصدير صورة مغلوطة مفادها أن النظام المصرى يقف فى الضفة المقابلة لمصالح الشعوب.
لا يمكن اعتبار هذه المظاهرات مشروعًا حقيقيًا لإسقاط الدولة، لأن الجماعة حاليًا تفتقر إلى الحاضنة الشعبية الحقيقية داخل مصر.
ووجودها الإعلامى أو التنظيمى فى الخارج لا يحظى بتأثير داخلى ملموس.
الدولة المصرية تمتلك مؤسسات قوية وجبهة داخلية مستقرة.
لكن، فى الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن هذه التحركات قد تكون جزءًا من حرب ناعمة تستهدف إنهاك صورة الدولة وتشويه مكانتها الدولية، عبر تصدير مشهد «معارضة مصر من داخل إسرائيل»؛ وهو مشهد، رغم تناقضه، قد يجد من يروج له فى بعض الأوساط.
الرسالة الأخطر فى المشهد كله ليست فى الهتافات ولا فى اللافتات، بل فى قبول جماعة إسلامية لطالما صدّرت نفسها كـ»ضد الكيان الصهيوني»، بأن تتحرك داخل أراضيه سياسيًا، وتستخدمه كمنصة للهجوم على وطنها.
وهنا يُطرح السؤال المهم فى هذا هل القضية الحقيقية لدى الجماعة هى فلسطين؟ أم أن الخصومة مع الدولة المصرية أصبحت هى الأولوية المطلقة، ولو على حساب المبادئ؟
ما جرى أمام السفارة المصرية فى تل أبيب لا يمكن فصله عن محاولات مستمرة لتقويض الدولة المصرية من خلال التحريض الإعلامي، واستغلال الأزمات الإقليمية، وتوظيف الشعارات الثورية، لكنه فى جوهره يعكس تناقضًا أخلاقيًا وفكريًا خطيرًا، يكشف أولًا وأخيرًا أن الخصومة السياسية عند البعض صارت تبرر كل شيء، حتى التحالف « الصامت أو العلنى » مع من كانوا بالأمس «العدو الأول».

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







