حرارة المناخ| تهديد صامت للصحة النفسية|

دراسة تكشف تأثير التغيرات المناخية على النساء في المناطق الفقيرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


في ظل تصاعد أزمة المناخ عالمياً، لم تعد تداعياتها محصورة في الأضرار البيئية والاقتصادية، بل امتدت لتطال العقل والنفس البشرية،دراسة جديدة أجراها باحثون من معهد أبحاث المخ والعقل في جامعة "آغا خان"تكشف علاقة وثيقة بين الطقس المتطرف وبين اضطرابات الصحة النفسية، خاصة بين النساء في المجتمعات الهشة التي تفتقر إلى البنية الأساسية والخدمات الحيوية.

أكدت دراسة حديثة أن التغيرات المناخية باتت تمثل تهديدا مباشرا للصحة العقلية، حيث كشفت أن موجات الحر الشديدة والجفاف وانخفاض الأمطار تترك آثاراً نفسية خطيرة، أبرزها زيادة في نسب الاكتئاب والأفكار الانتحارية، خاصة لدى النساء في المناطق الفقيرة.

الدراسة التي شارك فيها أخصائي علم النفس والاقتصاد الصحي الدكتور سيبريان موستيرت، أُجريت بالتعاون مع زملائه من معهد أبحاث المخ والعقل في جامعة آغا خان، وتركزت على منطقة كيليفي الساحلية في كينيا، والتي تعد من أشد المناطق فقرا، وتشهد بشكل متكرر ظواهر مناخية متطرفة مثل الجفاف وارتفاع الحرارة، بالإضافة إلى فيضانات عنيفة كالتي وقعت عام 2024.

وأوضح موستيرت، في مقال نشره عبر موقع The Conversation المختص في الأبحاث العلمية، أن الدراسة استهدفت فئتين من النساء: الأولى في مناطق عشوائية تفتقر إلى المياه النظيفة والخدمات الأساسية، والثانية في مناطق ريفية أكثر استقرارا، وتم إشراك نحو 14,801 امرأة في التجربة، طلب منهن الإجابة عن استبيانات ترتبط بمشاعرهن النفسية أثناء فترات التغير المناخي، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو نقص المياه.

اقرأ أيضا.. الحر الشديد والصحة العقلية.. دراسة تكشف التأثير

واعتمد الباحثون في تحليلهم على مقارنة البيانات النفسية للمشاركات مع تقارير الأرصاد الجوية للفترات نفسها، ما أتاح ربطًا دقيقا بين تقلبات الطقس وحالة النساء النفسية.

وخلصت النتائج إلى أن موجات الحرارة ساهمت في زيادة الأفكار الانتحارية بنسبة 14.9%، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 36.7% خلال فترات الجفاف،أما انخفاض معدلات الأمطار، فقد أدى إلى زيادة الأفكار الانتحارية بنسبة 28.7%، خاصة نتيجة الخوف من فقدان مصادر العيش. 

وعندما تقترن هذه التغيرات بارتفاع أسعار الغذاء، ترتفع نسبة الأفكار الانتحارية إلى 48.3%.

أما أعراض الاكتئاب، فقد ازدادت بنسبة 10.8% لدى النساء في المناطق العشوائية، مقارنة بنظيراتهن في المناطق الريفية المستقرة، ما يعكس العلاقة الوثيقة بين الوضع الاقتصادي الاجتماعي وتأثر الصحة النفسية بتقلبات المناخ.

وأشار موستيرت إلى أن النساء غالبا ما يتحملن العبء الأكبر من تداعيات الأزمات البيئية، نظرا لأدوارهن الحيوية داخل الأسرة والمجتمع، مما يجعل الضغط النفسي عليهن شديدا، ويهدد استقرار الأسرة بأكملها، وأكد أن هناك تداخلا واضحا بين الضغوط البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ما يفرض على الحكومات إيلاء أهمية خاصة للصحة النفسية عند تصميم سياسات الاستجابة للتغير المناخي.

كشفت هذه الدراسة أن أزمة المناخ لم تعد مجرد أزمة بيئية، بل تحولت إلى تهديد شامل يشمل النفس البشرية، ويضعف المجتمعات الهشة من الداخل. 

فالصحة النفسية لم تعد ترفا، بل ضرورة لبناء مجتمعات قادرة على الصمود في وجه الكوارث، وعلى صناع القرار أن يدركوا أن مواجهة آثار التغير المناخي تستلزم أيضًا دعما نفسيا يوازي الدعم الإغاثي والاقتصادي، لضمان حياة كريمة لملايين يواجهون المستقبل وسط أزمات لا ترحم.