تحرُّك العالم نحو استكمال الاعتراف «الرسمى» بالدولة الفلسطينية المستقلة يسير باندفاع شديد. لم يتبق إلا أقل من أربعين دولة معظمها وأهمها «مثل ألمانيا وإيطاليا» يقر بحق شعب فلسطين فى دولته المستقلة لكنه يرجئ الاعتراف بها إلى «الوقت المناسب» له كما يقال، وهم يدركون أن الوقت المناسب قد حل منذ زمن بعيد، وأن جرائم إسرائيل ومخططاتها تفرض على العالم أن يتحمل مسئولياته الأخلاقية والسياسية والقانونية وأن يضع إسرائيل فى مواجهة الحقيقة وتمكين شعب فلسطين من استرداد أرضه وإقامة دولته وتحرير قدسه العربية.
بالطبع ستبقى عقدة الموقف الأمريكى بتقلباته المثيرة وانحيازه الدائم للكيان الصهيوني. لكن علينا أن نذكر أن «حل الدولتين» كان جزءا أساسيا من السياسة الأمريكية فى المنطقة لعقود طويلة، وأن محاولات عديدة على هذا الطريق تبناها رؤساء ديمقراطيون وجمهوريون خاصة بعد اتفاق أوسلو الذى كان يفترض قيام الدولة الفلسطينية فى عام ١٩٩٩. وعلينا «ثانيا» أن نذكر أن المواقف الأمريكية فى مواجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومعارضة مؤتمر «حل الدولتين» وقبلهما التصويت ضد العضوية الكاملة لفلسطين فى الأمم المتحدة وغيرها من المواقف كانت تستند إلى حجج واهية مثل التأثير على مفاوضات لم تؤد إلا لتدهور الموقف! ثم «وهذا هو الأهم» علينا أن ندرك أن السياسات تتغير والمصالح تحكم وعزلة أمريكا عن العالم لابد أن تدفعها لمراجعة سياساتها.
كما «اكتشفت» واشنطن مؤخرا أن المجاعة فى غزة حقيقية وأن من الجنون تجاهلها أو محاولة تبرئة إسرائيل من المسئولية عنها، فإنها لابد أن «تكتشف» أن كل ما تبيعه لها إسرائيل واللوبى الصهيونى من أوهام حول سلام بلا فلسطين وعلى حساب العرب هو حرث فى بحر، وأنه لا سلام ولا أمن فى المنطقة إلا بالاحترام الكامل لحقوق شعب فلسطين فى أرضه وحريته ودولته المستقلة، وأن كل ما دون ذلك ما هو إلا استمرار فى الخطأ فى وقت لا تتحمل فيه المنطقة ولا العالم المزيد من الأخطاء.. أو الخطايا.
فى واشنطن يتزايد الإدراك -حتى عند أشد أنصار ترامب- بأن إسرائيل قد أصبحت عبئا ثقيلا ومكلفا لامريكا. وتحاول الإدارة الأمريكية استدراك الموقف فى وجه الغضب العارم من جريمة تجويع الشعب الفلسطينى فى غزة ومن التورط الأمريكى فيها عن طريق مؤسسة غزة «غيرالإنسانية»، التى تحولت إلى مصيدة للموت!!.. جهود الاغاثة مطلوبة بلا شك لأن الكارثة فوق الاحتمال، لكن القضية ستبقى قضية احتلال عنصرى لابد أن ينتهي، وشعب فلسطينى لابد أن ينال حريته، ودولة فلسطينية لا يمكن أن يترك مصيرها فى يد مجرمى الحرب الإسرائيليين وإنما للشرعية الدولية وحدها.
ويبقى الأهم.. وهو الفعل العربى فى لحظة فارقة فى مستقبل المنطقة العربية كلها، والإدراك الكامل بأنه من الضرورى وضع كل الإمكانيات العربية لحصار العدو الإسرائيلى ولإنهاء حرب الإبادة والتجويع التى يشنها، ولتحقيق الإجماع العالمى على قيام دولة فلسطين على كامل ترابها الوطنى وفقا للقرارات الدولية وليس رهنا لشروط نتنياهو أو تفاوض مع حكومة من مجرمى الحرب وقتلة الأطفال.
فى مؤتمر نيويورك تم الاعلان عن خطة عمل دولية على مدى خمسة عشر شهرا فى الطريق إلى «حل الدولتين» مطلوب أن يكون لدينا برنامج مفصل للتحرك العربى خلال هذه الفترة الحاسمة فى كل الاتجاهات، ورغم أى اختلافات على التفاصيل لا يعنى ذلك على الإطلاق أن إنهاء الحرب وحصار الجوع والموت فى غزة ليست هى الهدف العاجل والأساسى الآن «كما يزعم المغرضون».. العكس هو الصحيح، والهدفان لا يتعارضان على الإطلاق. إنهاء الاحتلال «وليس فقط إنهاء الحرب» هو الأساس لقيام الدولة، ودماء آلاف الشهداء هى التى تفرض على العالم أن يعترف بالظلم التاريخى لشعب فلسطين وأن يدرك أن فلسطين الدولة والشعب والأرض المحررة هى عنوان السلام الحقيقى للمنطقة وللعالم كله، وأن هذا هو «الوقت المناسب» ليقول العالم كلمته لتكون «فلسطين المستقلة» هى الاعتذار الرسمى عن ظلم تاريخى لم يعد ممكنًا أن يستمر.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







