إنها مصر

الرهان على الكتلة الصلبة

كرم جبر
كرم جبر


ما تشهده مصر اليوم من تطورات متسارعة على المستويين الداخلى والخارجي، ليس مريحًا لا لأصدقائها ولا لأعدائها، لا يريدون مصر القوية المتعافية، ويتصورون أن قوتهم فى إضعافها.

ولكن الدولة التى كانت فى حكم الاخوان على شفا الانهيار، استطاعت أن تقف من جديد وتعيد بناء مؤسساتها، وانتصرت فى معركة ضارية ضد الإرهاب، وتحقق مكانة إقليمية ودولية تحوز الاحترام.

السؤال الذى يطرح نفسه بإلحاح: كيف تمكن الجيش المصرى العظيم وسط هذا المناخ الإقليمى المضطرب، أن يحافظ على تماسكه ويتقدم فى التصنيفات العالمية، ويطوّر منظومات تسليحه وتدريبه فى الوقت الذى تشهد فيه جيوش بعض الدول الأخرى تفككًا دراماتيكيًا، وتحولًا إلى ميليشيات متصارعة على النفوذ والسلطة؟

الدول كالأفراد، ليست فى مأمن من المكائد والمؤامرات، والمصالح المتشابكة كثيرًا ما تتصافح فى العلن وتتنازع فى الخفاء، وليس كل ما يُعرف يُقال، لأن بعض الحقائق قد تزيد الأمور تعقيدًا إذا طُرحت على الملأ.

فى خضم ذلك، يظل الرهان الأكبر على «الكتلة الصلبة» داخل المجتمع، الفئة الواعية التى تحمى ظهر الدولة وتصون استقرارها، وترفع منسوب الإدراك الشعبى بالمخاطر والتحديات، إنها مهمة شاقة، نعم لكنها ليست مستحيلة.

فى زمنٍ باتت فيه وسائل التواصل أداة للانتقاء والتشويه، أصبح «الترصد» أحد أخطر أمراض المجتمع المعاصر، يمكنك أن تتحدث بمنطق واتزان لساعة كاملة، ثم يقتطع أحدهم ٤٥ ثانية من كلامك خارج السياق، ليحوّله إلى تهمة أو إساءة لم تقلها ولم تقصدها.

لم يعد البعض يكتفى بالمراقبة، بل أصبح يتصيّد العبارات والنوايا، ويمنح نفسه حق الوصاية والوعظ، وكأنه «ضمير الأمة»، بينما هو أبعد ما يكون عن الضمير.

الغريب أن علماء النفس وقفوا حائرين أمام هذه الظاهرة المتفشية، والتى يمكن وصفها بـ«الغل الاجتماعى»، حيث يتداخل الفضول المرضى مع الكراهية المقنّعة فى سلوك يومى مَرَضى يستحق التوقف عنده.

■ ■ ■

كتبت فتاة على صفحتها الشخصية فى «فيسبوك» جملة قصيرة، لكنها ثقيلة كالكابوس: «سأنتحر.. أرجوكم محدش يمنعنى».. ولا أحد يعلم إن كانت جادة أم تمزح، تطلب النجدة أم تختبر ردود الأفعال.

الردود كانت نُسخة من السخرية: «اتكلى على الله»، «فى ستين داهية»، «والله فكرة حلوة»، «محتاجة زقة؟»، «يلا بسرعة»، «نهاية سعيدة»، «خدينى معاكى».

أما من زاد على السخرية استهتارًا فكتب: «خليها بعد بكرة.. المرتب لسه ما نزلش»، «اطفى النور الأول»، «اتجوزى أحسن»، «انتى اللمبى»، «يا بختك»، «كله رايح»، «الى جهنم وبئس المصير».

وتحولت لحظة قد تكون إنسانية مؤلمة إلى عرض كوميدى قاتم، ولم يسأل أحد نفسه: ماذا لو كانت هذه الفتاة تمر بأزمة حقيقية، ولم تجد من تلجأ اليه سوى هذا العالم الافتراضى؟

ليس المقصود مناقشة الحالة، ولكن كم السخرية والاستهزاء والغل والشماتة فى قلوب الناس، ولا يتركون قضية جادة أو هزلية إلا ويتم تناولها بنفس الطريقة.