في زمنٍ كانت فيه الكلمة سلاحًا، وكانت الحقيقة تُبثّ بين سطور الشعر وأثير المذياع، خرج من ريف المنوفية صوتٌ مختلف، يحمل بين نبراته وقار العالم، ودفء الداعية، وصدق المُصلح. لم يكن مجرد إعلامي، بل كان مشروع نهضة روحانية، وضميرًا حيًّا نذر نفسه لتوصيل رسالة الإسلام من قلب القاهرة إلى أطراف الأرض. إنه الدكتور كامل عبد المجيد الحفني البوهي، ابن قرية جريس بمركز أشمون، الذي غادر دنيانا في صمت كما عاشها، لكنه ترك إرثًا يفيض بالنور.
لم يكن تأسيس إذاعة القرآن الكريم مجرد قرار إداري أو تجربة إعلامية ناجحة، بل كان بمثابة إحياء عصري لمفهوم "المئذنة"، حين تصبح الأثير منبرًا، والمايكروفون سُبحة في يد رجل مؤمن بأن القرآن رسالة حضارية. فكرة انطلقت ببث القرآن المرتل في مارس 1964، لكنها تحولت مع البوهي إلى منظومة فكرية ودعوية متكاملة، تحتضن برامجًا تُربّي وتُعلّم وتُصلح.
اقرأ أيضًا| ملتقى الجامع الأزهر: الغزوات في الإسلام لم تكن هجومية بل دفاعية لصد الاعتداءات
صوته الذي اعتاد المستمعون أن يوقظ أرواحهم بندائه اليومي "يا أمة القرآن يا خير أمة أُخرجت للناس" لم يكن مجرد مقدمة لبرنامج، بل كان جملة إيقاظ للضمير الإسلامي، وعهدًا يوميًا بأن القرآن ليس كتاب تلاوة فقط، بل كتاب حياة.
امتلك البوهي قدرة فريدة على مزاوجة الروحانية بالواقعية، فجاءت برامجه كأنها رسائل عابرة للزمن: "الدين المعاملة"، "في روضة الرسول"، "القاموس الإسلامي"، "الموسوعة القرآنية"... لم يكن يُلقي خطابًا دينيًا جافًا، بل يُعيد تشكيل وعينا الجمعي بما يُناسب حاجات الناس اليومية، وكان دائمًا يتحدث من منطلق أن الدين لا يُختزل في الشعائر بل يتمدد إلى تفاصيل المعاملة والأخلاق والعقل.
وما بين الإذاعة والتلفزيون، تنقّل البوهي كفارس يحمل لواء الكلمة المسؤولة. في التلفزيون شارك في برامج مثل "قرآن ربي"، "حديث الروح"، و"رب زدني علمًا"، وكلها كانت بمثابة جسور بين النص الديني والحياة اليومية، يقدمها بلغة تجمع بين جمال العربية وبساطة الخطاب الإنساني.
لكن الرجل الذي قدّم صوته وقلمه في خدمة دينه لم يكن بعيدًا عن السياسة والواقع، فحين هاجم الكيان الصهيوني عقب أحداث 6 أكتوبر 1981، تم اعتقاله لمدة عام، لم يُغيّر رأيه، ولم يُناور. كان يرى في الإعلام ساحة جهاد من نوعٍ آخر، واعتبر أن الكلمة أمانة والموقف شهادة.
لم تقتصر عطاياه على المايكروفون والكاميرا، بل مدّ يده للكتابة والتأليف والترجمة. كتب عن التربية الإسلامية، وعن الإعلام الإسلامي، وأهدى المكتبة العربية قاموسًا نادرًا عربي-يوغوسلافي لا يزال الوحيد في مجاله، وترجم عن الأدب اليوغوسلافي مؤلفات نادرة، في وقت لم يكن فيه كثيرون يعرفون شيئًا عن تلك اللغة أو ثقافتها. هذه الزاوية من حياة البوهي تخبرنا عن رجل مثقف حقيقي تجاوز حدود التخصص، وسعى لتكوين جسر بين الثقافات بلغته وعقيدته.
ورغم كل ذلك، بقي الرجل بسيطًا، متواضعًا، زاهدًا في الأضواء. لم يتصدر الصفوف رغم أنه كان أهلًا لها، ولم يطلب مجدًا إعلاميًا رغم أنه صانعه. وحين اختاره الله في الثالث والعشرين من أبريل عام 1985، ترجل فارس الدعوة الصامتة، لكنه لم يغب. فما زالت إذاعة القرآن الكريم، التي أسّسها بقلبه، وحرّر برامجها بعقله، ويُسرجها صوته إلى اليوم، باقية كمنارة في عتمة المشهد الإعلامي المعاصر.
اقرأ أيضًا| المسلماني يعلن تدشين «متحف القراء» بإذاعة القرآن الكريم
إن الحديث عن الدكتور كامل البوهي هو حديث عن مرحلة نادرة من نقاء الإعلام الديني، وعن رجل جسّد في سلوكه ومهنته معنى "الداعية الإعلامي"، حين يكون الإعلام عبادة، والكلمة رسالة، والمستمعون أمانة.
وإذا كانت أصوات كثيرة اليوم ترتفع دون معنى، فإن صوت البوهي لا يزال بيننا، يذكّرنا بأن الإعلام يمكن أن يكون بابًا للجنة، إذا حمل صدق النية، ووضوح الهدف، وجمال اللغة.
رحم الله ابن المنوفية وفخرها، العالم الذي لم يصعد المنابر لكنه أسّس منبرًا لم يُطفأ نوره حتى الآن.

مستشار الرئيس الروماني يزور مكتبة الإسكندرية
اكتشاف عالمي من جامعة المنصورة يعيد كتابة تاريخ البحار بعد انقراض الديناصورات
مدير تعليم البحر الأحمر يتابع انطلاق امتحانات الإعدادية







