عن تشكيل المجلس الأعلى للثقافة: حركة الواقع وحكمة الكبار

يوسف إدريس وطه حسين
يوسف إدريس وطه حسين


> أحمد يوسف على

تابعت ما دار على قنوات الإعلام المختلفة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعى من ردود أفعال ذوى الرأى، بعد صدور قرار رئيس الوزراء باعتماد اختيار أعضاء المجلس الأعلى للثقافة فى مصر وكان أغلب الانتقادات مركزا حول تقدم سن المختارين تقدما كبيرا فأصغرهم فوق الستين وأكبرهم فوق التسعين.

بما يعنى أن هؤلاء الناس قد تجاوزتهم حركة الواقع الآن، وأن وعيهم بالواقع المتغير تغيرا مخيفا، وتطلعهم للمستقبل مرهون بتجاربهم ومعارفهم وخبراتهم التى اكتسبوها منذ زمن مضى، كانت أعلى وسائل الاتصال فيه هى التليفون الأرضى وما ارتبط به من فاكس أو تليكس، وكان الكتاب الورقى والصحيفة والمجلة الورقية هى مصدر المعرفة المنظم المتاح وأن فكر هؤلاء الكبار تكوَّن عبر انتقالات المجتمع المصرى الكبرى من ثورة 1919م وما بعدها، وثورة 1952م وما صاحبها من تحولات اجتماعية عميقة فى بنية المجتمع المصرى.

والحقيقة التى لا نجادل فيها ونسلم بصحتها أن كل علم من هؤلاء الأعلام هو فرد فى مجاله، وعلامة بارزة من علامات العلم والمعرفة والفكر والثقافة فى المجتمع المصرى، وأن هؤلاء وغيرهم كثيرون من أمثالهم عماد العقل المصرى والذاكرة القومية المصرية فكل هؤلاء قد حققوا ذواتهم وقدموا منجزاتهم التى غدت من كلاسيكيات الموروث المصرى، وأنهم مثَّلوا بما قدموه إضافة لا تنكر ولا يعنى انتقاد اختيارهم لأكثر من مرة انتقاصا من قدرهم ولو قلنا وهذا صحيح إن الفكر والثقافة والفن نتاج التحولات الاجتماعية الكبرى فى حياة المجتمعات، فإن هؤلاء يمثلون بفكرهم ورؤيتهم مرحلة من مراحل هذه التحولات، ولا يجوز أن نظلمهم ونحكم عليهم بقولنا إنهم نتاج هذا الزمن فقد عبرت الثقافة والفكر والفنون واللغات حدود الجغرافيا، واختصرت التاريخ، واستعاد العلم والتكنولوجيا شخصيات من زمن بعيد وكيف نطلب منهم أن يخططوا للمستقبل الماثل بين أيدينا، والمستقبل الواقف على الباب، وأن يستجيبوا لتحدياته وقد تغير مفهوم الثقافة وتغير دورها واتسعت مجالاتها، وتشعبت قنواتها، وأضحت الثقافة ألزم للإنسان فى بلادنا مثل رغيف الخبز وربما أكثر إلزاما ونحن نواجه انقسامات الولاء، والتسلط على الوعى بتزييفه لبناء وعى مغشوش يسهل لأعداء هذا الوطن اختراقه والسيطرة عليه دون رصاصة أو مدفع.

إن الأقلام التى كتبت فى انتقاد اختيار هؤلاء لا تستهدفهم على الإطلاق، ولكنها حدث لها ما يعرف بانكسار أفق التوقع. فقد انتظرنا كثيرا بعد ما حدث فى مصر من عودتها بعد أن كانت مخطوفة أن ينهض الفكر والفن والإعلام والتعليم والثقافة لبناء وعى الإنسان وتكوين اتجاهاته وترتيب أولويات قيمه نحو بلده وعالمه وتاريخه ولغته حتى لا يقع فريسة مرة أخرى لجماعات التطرف الدينى والفكرى والسياسي، والتعتيم والتضليل، ولكن كل هذا تأخر بسبب ضرورات إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومع أن الدولة فى مصر نهضت بأعباء ضخمة فرضتها تحديات كثيرة كان الشعب هو الظهير الأكبر لها، فإن هذه المنجزات الكبرى لن تحميها السلطة ولن يحميها هذا أو ذاك، بل يحميها الإنسان الذى استنار بقيم المواطنة والحريات والولاء للوطن والإيمان بأن هذا الوطن هو الباقى لنا. هذا الوعى الذى نحتاجه تأخر وتأخرت البرامج الثقافية التى ترسخه وتؤصله. وبعد أن طال الصبر، انكسر أفق التوقع، لذلك علا صوت الانتقاد وكان أشبه بالاستغاثة أو الصراخ أو غوث الذى أوشك على الغرق.

والعجيب فى الأمر أن هذا الانتقاد لقرار اعتماد اختيار أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، ليس جديدا وليس مفاجأة على الإطلاق فما أشبه اليوم بالبارحة فقد أنشئ هذا المجلس 1955 قبل إنشاء وزارة الثقافة 1958م وكان اسمه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وقد أنشئ ليسد الفراغ الذى حدث بعد إلغاء الأحزاب، وسقوط الرأسمالية المصرية فهذا وذاك كانا جناحى رعاية الثقافة والمثقفين، وبدون رعاية لن تزدهر الثقافة.

وجاء إنشاء هذا المجلس ليكون راعيا للثقافة والمثقفين تحت عين الدولة وقتئذ. وكان على رأس هذا المجلس طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وأحمد حسن الزيات وحسين فوزى ومحمود تيمور وغيرهم من الكبار والرموز كان هؤلاء من الرواد المجددين فى الثقافة المصرية فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين: طه حسين والعقاد والحكيم وحسين فوزى وغيرهم على حد وصف لويس عوض. غيَّروا معالم اللغة العربية والأدب العربى والفكر العربى ما بين 1919-1952 لكنهم تحولوا إلى قوى محافظة فى الأربعينيات والخمسينيات بحكم تقدم العمر، وأصبحوا عاجزين عن فهم ما كان عبدالرحمن الشرقاوى يفعله فى «رسالة من أب مصرى إلى الرئيس ترومان» وما كان يفعله صلاح عبدالصبور فى «الناس فى بلادى» ولم تكن لهم حيلة فى مسرح الريحانى العامى وخاصموا مسرح نعمان عاشور ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة وكل مسرح يكتب بالعامية وكل حوار روائى بالعامية، وعادى العقاد الشعر الجديد الذى كان يمثله شباب مثل صلاح عبدالصبور وأحمد حجازى.

ولا نقصد أن هؤلاء الشيوخ أو حماة أزمانهم لا مكان لهم فى الحياة الأدبية أو الفنية أو الفكرية أو السياسية فكل مجتمع ليس فيه تراث وحفظة للتراث، وكل مجتمع صحى ينبغى له أن يقوم على الحوار بين من يمثلون أصوات الماضى وأصوات المستقبل والحكم بينهما هم أصدقاء الحاضر وبلدنا مصر اليوم فى أمسِّ الحاجة إلى عقد هذا الحوار بين أصوات الماضى وأصدقاء المستقبل على أرضية فهم التحديات القومية والوجودية فى واقعنا وفى العالم لذلك أدعو إلى إفساح المجال لنور جديد وصباح جديد بدونه لن يكون لنا غد.