حسن حافظ
تبدو قناة السويس الآن حقيقة جغرافية، ممرًا مائيًا على درجة كبيرة من الخطورة فى الملاحة البحرية العالمية، لكن قبل قرنين كانت هذه القناة، التى تربط الشرق بالغرب، مجرد صحراء وبحار من الرمال، تفصل بين البحرين المتوسط والأحمر. ثم جاءت فكرة تحوّلت إلى مشروع عالمى لتنفيذ القناة التى تختصر مسافة الرحلة بين أوروبا وآسيا. هنا شمّر المصريون عن سواعدهم، وتحت الشمس المحرقة حفروا القناة، لكن سرعان ما جاءت كتائب الاستعمار، وخطفت الثمرة من أفواه المصريين، وسيطرت على القناة، واغتصبت حق مصر لعقود طويلة، فى قصة لا بد أن تُروى.
فكّرت فرنسا، فى ظل الصراع الاستعمارى بين دول أوروبا، فى حفر قناة تربط البحرين لتأمين طريق تجارى قصير يصلهم بالهند، درّة التاج فى المشروع الاستعمارى لبريطانيا. لذا، عندما بدأ محمد على باشا (حكم 1805-1848م) تجربة تحديث الدولة المصرية، عرضت باريس عليه الفكرة، إلا أنه رد بالرفض، خشية أن تتكاثر الأطماع الاستعمارية الغربية حول هذا الممر الحيوي، فضلًا عن رفضه منح امتياز حفر القناة لشركة أجنبية. وأعلن موقفه الشهير قائلًا: «إنى لو فتحت القنال لَخَلقت لمصر بوسفورًا كبوسفور الدولة العلية «أى الدولة العثمانية»، وكما أن البوسفور تسبب فى مشاكلها، تصبح بلادي، المطمع فيها من الأصل، بسبب القنال، مسرحًا للمطامع السيئة»، وذلك بحسب ما نقل محمد طلعت حرب فى كتابه عن (قناة السويس).
الخطر الكامن
إدراك محمد على بالخطر الكامن وراء مشروع قناة السويس جعله يتمسك بضرورة أن تتولى شركة مصرية امتياز حفر القناة من ناحية، وتوقيع القوى الأوروبية العظمى اتفاقية تضمن حرية الملاحة فى القناة وعدم استخدامها فى أعمال حربية، من ناحية أخرى. خاصة أن المهندس الفرنسى لينان، الذى كان يعمل عند حكومة محمد علي، أثبت خطأ التقديرات السابقة بارتفاع مياه البحر الأحمر عن المتوسط بتسعة أمتار، وبهذا زال أى عائق طبيعى أمام إنشاء القناة. وتأسست بالفعل شركة أوروبية للترويج للمشروع الحلم الذى يربط بين الشرق والغرب، لكن وفاة محمد على باشا وتولى حفيده عباس حلمى الأول الحكم فى القاهرة غيّرت دفة الأمور.
لم يكن عباس الأول (حكم 1848-1854م) على وفاق مع سياسة جده محمد على باشا، لذا رفض مشروع القناة، وقرّر التخلى عن الخبرة الفرنسية لصالح تزايد النفوذ الإنجليزي، فرفض مشروع القناة الفرنسى.
فرمان الامتياز
بدأ التفكير الجدى فى المشروع، نوفمبر 1854م، وفى نهاية الشهر وقّع سعيد باشا على فرمان امتياز حفر القناة، الذى تضمن تفويض ديليسبس لتأسيس شركة عمومية لحفر القناة وإدارتها. ونصّ الفرمان على أن مدة الامتياز 99 سنة من يوم افتتاح القناة للملاحة، وأن تأخذ الحكومــة المصــرية 15% مــن صــافـى الأربــاح سنويًا، دون أن يكون لها أى دور فى تنفيذ أعمال الإشغال.
لكن عقد الامتياز الأول لم يتضمن أى إشارة إلى وسائل تنفيذ المشروع أو مشكلة الأيدى العاملة، إلا أن ديليسبس نجح فى إصدار عقد الامتياز الثانى وقانون الشركة الأساسى من سعيد باشا فى 5 يناير 1856م. وهنا بدأ ديليسبس يتلاعب بالباشا، فعقد الامتياز الثانى تضمن تسع مواد تحت بند «الالتزامات» و14 مادة «امتيازات»، وبدأت شركة قناة السويس تحصل على امتيازات على حساب التزاماتها. أما أخطر ما جاء فى عقد الامتياز فيتعلق بالمادة الثانية التى سمحت للشركة بتنفيذ الأعمال فى حفر القناة بشرط أن يكون أربعة أخماس العمال من المصريين، وهى المادة التى استغلها ديليسبس لاستخدام العمال المصريين فى أعمال السخرة.
أساس السخرة
ويُحلل الدكتور عبد العزيز الشناوي، فى كتابه التاريخى السخرة فى حفر قناة السويس، كيف عمل ديليسبس على استخدام مواد فرمان الامتياز الثانى ليجعل منها «أساسًا لنظام السخرة فى حفر القناة» ورتب عليها وفرّع منها، حقوقًا جديدة للشركة صاغها فى (لائحة استخدام العمال الوطنيين فى أشغال قناة السويس)، وتنفيذًا لهذه المادة وتطبيقًا لهذه اللائحة سيق المصريون إلى ساحات الحفر زُمرًا لشق قناة السويس.
مئات الآلاف من المصريين أُكرهوا على الحفر خلال عام 1862 - وهى السنة التى شهدت أكبر حشد آدمى فى تاريخ الشركة - وبدأت السخرة عبر استغلال ديليسبس لبنود ما رآه تفسيرًا لعقد الامتياز الثاني، متخليًا عن ما تعهد به. فلم يهتم بتوريد آلات ميكانيكية للاستخدام فى عمليات الحفر على الجاف، خلافًا لتعهداته السابقة، وفضّل الاعتماد على العمالة المصرية بأجور زهيدة للغاية، يدفعها حينًا ويمتنع عن دفعها أحيانًا.
تصاعد شحن العمال المصريين للعمل فى حفر القناة، فبحسب الدكتور عبد العزيز الشناوي، وصل عددهم إلى عشرين ألفًا فى الشهر الواحد طوال العام 1862م.
اقرأ أيضا: رئيس الوزراء يتابع ملفات عمل «اقتصادية قناة السويس»
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء: زمن الإرهاب انتهى.. ونخوض معركة العبور الاقتصادى







