لا مزيد من المجانية| ترامب يفرض على أوروبا معادلة «الحماية مقابل الدفع»

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


منذ دخوله البيت الأبيض في يناير، أوضح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب أن سياسة أمريكا تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي "الناتو" لن تبقى كما هي.

وفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، اتّضح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتحمّل عبء الدفاع عن أوروبا كما كانت تفعل لعقود، حيث قلب ترامب الطاولة على الحلفاء الأوروبيين، معلنًا بوضوح: «من يدفع يُحمى.. ومن لا يدفع فليدبّر أمره بنفسه».

وأشارت المجلة الأمريكية ذاتها، إلى أن القاعدة الشعبية لحملة "اجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (شعار سياسي لحملة ترامب خلال فترة الانتخابات الأمريكية الماضية) كانت تتوقع ذلك، بل حتى معارضو ترامب الشرسون كانوا يدركون أن التغيير قادم، وبعد مرور ستة أشهر من ولايته الثانية بالفعل، تتصاعد المخاوف من أن التغيير المطلوب لم يكن جذريًا بما فيه الكفاية.

وصف زير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، في فبراير الماضي سياسة إدارته بأنها تهدف إلى "نقل عبء الدفاع عن القارة الأوروبية إلى الأوروبيين أنفسهم"، ولم يكتف بذلك، بل سلّم مسؤولية قيادة مجموعة تنسيق دعم أوكرانيا إلى أوروبا، في إشارة مباشرة إلى أن واشنطن لن تكون القائد العسكري الوحيد بعد الآن.

اقرأ أيضًا| لماذا لم تعد أمريكا القوة الاقتصادية الأولى؟.. خريطة التجارة «تُجيب»


تقارير عن سحب القوات الأمريكية

شهدت بداية إدارة ترامب ضجيجًا في دوائر السياسة الخارجية، خاصة مع تقارير تتحدث عن احتمال سحب 20 ألف جندي أمريكي تم إرسالهم إلى أوروبا في عهد بايدن بعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حتى أن الإدارة فكّرت، ثم تراجعت، في تعيين قائد أوروبي لأول مرة في تاريخ قيادة الناتو، خطوة كانت ستجبر أوروبا على مواجهة الواقع العسكري بجدية أكبر.

 

وفي ذات السياق، التقط المستشار الألماني الحالي، فريدريش ميرز، هذه الرسالة مبكرًا، قائلاً: "إنه يجب أن نستعد لاحتمال أن دونالد ترامب لن يلتزم الكامل بوعد الحماية المنصوص عليه في ميثاق الناتو.. ويجب علينا كأوروبيين أن نكون قادرين على الدفاع عن قارتنا بأنفسنا".

وفي زيارة إلى بروكسل في أبريل، لاحظ محللو مجلة «فورين بوليسي»، أن سياسات ترامب بدأت تُحدث أثرًا، كما رفع الناتو من أهدافه في تطوير القدرات العسكرية، والاتحاد الأوروبي أطلق خطته الدفاعية الجديدة ReArm Europe، والتي تضم استثناءات من ميثاق الاستقرار والنمو وتمويلات تصل إلى 150 مليار يورو لشراء الأسلحة.

وأكد مسؤولون في بروكسل أن هذه التحركات لم تكن لتحدث لولا ضغط دونالد ترامب، لكن المشكلة أن الإدارة الأمريكية تبدو مستعدة الآن للقبول بتعهّدات إنفاق مكتوبة كتبرير لعدم تقليص عدد القوات الأمريكية... وهذا خطأ استراتيجي في نظر واضعي التقرير.


الوهم الرقمي| 3.5% من الناتج.. على الورق فقط

ألزم إعلان قمة لاهاي بعد قمة الناتو، في يونيو، الدول الأعضاء بإنفاق 3.5% من ناتجها المحلي على الدفاع، و1.5% إضافية على البنية التحتية الدفاعية بحلول 2035. تصريحات السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، احتفلت بهذه التعهدات واعتبرتها "تحوّلًا حقيقيًا"، كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأنها "حلم أصبح واقعًا".

لكن الحقيقة، كما أوضح التقرير، أن هذه الأرقام مجرد تعهدات مُستقبلية لا يمكن فرضها على حكومات أوروبية مستقبلية، والتاريخ يعيد نفسه، حيث إن "تعهّد قمة ويلز عام 2014 بإنفاق 2% لم يُنفذ حتى بعد مرور عقد".


منطق ترامب.. «لا إنفاق أوروبي دون تهديد مباشر»

الإدارة الأمريكية الحالية، تدرك أن الخوف فقط هو ما يدفع أوروبا للإنفاق، ووجود 90 ألف جندي أمريكي على الأرض يشعر الأوروبيين بالأمان، وبالتالي يُقلل من حافزهم للدفع، لذا، يرى التقرير أن سحب هذه القوات الأمريكية هو وسيلة الضغط الوحيدة الحقيقية التي ستدفع أوروبا للتصرف.

ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، يجب أن يبدأ تقليص القوات من ألمانيا، نظرًا لأنها المستفيد الأكبر من مظلة الحماية الأمريكية، ورغم ذلك لم تلبِ أهداف الإنفاق المطلوبة.

كما يجب أن توضح واشنطن ــ بحسب المجلة ذاتها ــ أن الحرب الروسية الأوكرانية باتت الآن مسؤولية أوروبية، ومع محدودية الموارد الدفاعية – كأنظمة باتريوت – يجب أن تُوجَّه الأولويات إلى آسيا والمحيط الهادئ، لا أوروبا، ومثل هذه الخطوة ستعزز شعور العواصم الأوروبية بضرورة إعادة التسلّح.

ويمتلك أعضاء الناتو الأوروبيون مجتمعين 5 أضعاف الناتج المحلي لروسيا بالقوة الشرائية، و5 أضعاف عدد السكان، وأضعاف ميزانية الدفاع الروسية، ومن المنطق، إذًا، أن تتمكن أوروبا من احتواء روسيا دون اعتماد مُفرط على واشنطن.

لكن هذا لن يحدث ما لم تُجبرهم أمريكا على تحمّل المسؤولية، وفي ظل ندرة الموارد الأمريكية، لم يعد هناك مبرر لاستمرار "التأمين العسكري المجاني".

أما الرؤية الجديدة لـ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب فهي واضحة، والتي تتمثل في إذا أرادت أوروبا الحماية، فعليها أن تدفع ثمنها سياسيًا واقتصاديًا، ويستعد ترامب، لتحويل مُعادلة الأمن الأطلسي إلى صفقة مكشوفة، عنوانها: «من لا يُنفق.. لا يُحمى».