د. ياسين سليمانى
كتب أحد المعلقين على فيديو قصير يظهر فيه يحيى الفخرانى وهو يصعد الدرج وبعض مرافقيه يساعدونه للوصول إلى منصة مؤتمر صحفى خاص بعرضه المسرحى الكبير «الملك لير» الذى يقدمه هذه الفترة فى «المسرح القومى» إحدى قلاع الحضارة والثقافة والفن فى مصر والمنطقة ككل: «كفاياك كده استحى من الله واللحية البيضاء والشعر الأبيض».
شيخوخة الجسد وحرية الوجود
ما يثيره التعليق ليس مجرد ملاحظة عن المشقة الجسدية أو التعب الظاهر فى صعود الدرج، بل هو موقف أخلاقى اجتماعى يُلقى فى وجه الحرية الشخصية: «استحِ من الله واللحية البيضاء» كأن العمر يضع على المرء نيرًا أخلاقيًا واجبًا: أن ينسحب، أن يصمت، أن «يعرف مقامه»، بل أن يعتزل ما يعتبره المجتمع (أو قطاع كبير منه) نشاطا غير لائق بالشيخوخة (بحكم أن الفخرانى أكمل فى أبريل الماضى ثمانين سنة).
هنا يلوح لنا منظور وجودى صارخ: الجسد يشيخ، لكنه يظل مشروعا للحرية سارتر، فى «الوجود والعدم» يشرح أن الإنسان ليس ما هو عليه فحسب بل هو دوما ما يريد أن يكونه الشيخ لا «يتماهى» بالضرورة مع صورته الواهنة أو البيضاء (الشعر واللحية)، ولا مع نظرة الآخرين (أو البعض منهم لأن ملايين الناس غير هؤلاء ينتظرونه ويحبونه أن يظل يطل عليهم) التى تريده أن «يستحى» من عمره أن يعتلى يحيى الفخرانى المسرح هو فعل حرية فى مواجهة الضرورة البيولوجية إنه يرفض أن يُختزل فى عمره أو فى صورة «العجوز الوقور» التى يطالبه بها هؤلاء.

الاستحياء من الله أم من المجتمع؟
يغدو تعبير «استحِ من الله» هنا - بوصفه قالبا ثقافيا دينيا مصريا وعربيا شائعا- كآلية ضبط اجتماعى ليس الحديث عن «الله» بالمعنى الروحى الوجودى الخالص، بل عن سلطة رمزية تمارس مراقبة أخلاقية على الجسد والحرية. ما يُقال هو فى الحقيقة: «استحِ منا نحن»، من معاييرنا عن الوقار، الكرامة، اللياقة، التى نلصقها بالدين والشيخوخة.
يساعدنا ميشال فوكو فى فهم هذه الآلية التى يسميها «تقنيات الانضباط»، فالمجتمع يراقب الأفراد ويعيد إنتاج الطاعة من خلال خطاب أخلاقى ظاهره البراءة. فى هذه الجملة نرى «التقوى» أداة رقابية. إنها تستدعى المطلق، المتعالى (وهو الله فى الصياغة التى وردت فى التعليق) لتقمع «الرغبة» فى العمل، فى الإبداع، فى المسرح، فى الظهور الشيخوخة هنا ينبغى أن تتوارى، أن تلزم بيتها، ألا «تثير الشفقة» أو «الإحراج» كما يراها المعلق.
المسرح كفعل مقاومة
مسرحية «الملك لير» التى قُدمت على المسرح لأول مرة فى 1606 ولا تزال تحظى فى كل العالم باهتمام كبير هى ذاتها موضوعية جدا فى هذه الحالة، وتناسب الفخرانى جدا، لير ملك مسنّ يريد أن يحتفظ بالكرامة والسيادة، ويخوض صراعا ضد قسوة الأبناء والطبيعة والجنون. الفخرانى وهو يلعب لير، يضع جسده العجوز (بالمعنى العددى لسنوات عمره لا أكثر) فى خدمة تراجيديا تتحدث عن الشيخوخة والسلطة والعاطفة والخيانة صعوده على المسرح ليس مجرد عرض، بل مقاومة رمزية للفناء.
يعلمنا التشابك المعرفى مع الفلسفة الوجودية مثلا أن المعنى لا يُعطى جاهزا بل يُصنع (يشرح هذا سارتر مطولا فى الوجود والعدم)، فى هذا العرض لا يقبل الفخرانى أن يُختزل فى «مسن يثقل عليه الدرج» أو «عجوز يصعب عليه التحرك على الخشبة بخفة الشباب» بل يختار أن يكون «فنانا» (كما ظلَّ يفعل طوال أكثر من نصف قرن)، أن يكون «لير»، أن يكون «صوتا حيا» على الخشبة، وفعل الكينونة هنا فى غاية الأهمية كما تعلمنا الوجودية ذاتها، الجسد نفسه، المنهك أو الشعر الأبيض يصبح أداة للمعنى. هنا الحرية لا تُلغى بالوهن، بل تتجلى كعناد ضد الوهن.

الزمن والهوية: سؤال أصيل
التعليق الشعبى (المزعج وغير المتأدب لكن يجب النظر إليه بمنظور فكرى يدرس الظاهرة، يحللها ليفهمها لا ليحاكم الشخص) ينطوى على تصور خطِّى للزمن، فالشيخوخة حسب هذا التصور تمثل مرحلة القطيعة مع الأدوار النشطة، وتجعل من مفهوم الوقار مستلزما للانسحاب. لكن الفلسفة الوجودية -من هيدجر إلى سارتر- تقاوم هذا الاختزال. الزمن الإنسانى ليس مجرد تتابع بيولوجى، بل إمكانات. يسمى هيدجر هذا بـ«الكينونة–نحو»: «نحن لا نكون إلا من خلال انفتاحنا على الإمكان. حتى فى آخر العمر، الإنسان يستطيع أن يختار إمكانه. يختار أن يمثل، أن يصرخ، أن يضحك، أن يحب، أن يظهر. بمعنى أكثر وضوحا فإنَّ الممثل الكبير سنا بصعوده المتعب فى الدرج أو فى ظهوره الذى قد يراه البعض أقل من القوة التى ألفها الجمهور حركةً ونشاطا على الخشبة». ويقول: «أنا ما زلت أختار». وهنا يكمن الفعل الوجودى الأصيل.
العار والآخر
أن يقول أحدهم لفنان مثل الفخرانى «استحِ» يعنى: «عليك أن تشعر بالعار». يفيدنا سارتر فى هذا عندما حلل العار بوصفه انكشافا أمام نظرة الآخر. لكن العار ليس ضرورة أخلاقية، بل علاقة أنا أستطيع أن أتبنى العار أو أرفضه. الفخرانى بهذا المعنى يرفضه، يرفض هذه النظرة الاجتماعية (نعود ونقول إنها عند البعض وهذا هو الجيد فى الأمر وإلا لكانت كارثة حضارية فى بلد كبير مثل مصر) التى تحاول تقييد الممثل بجعل عمره مصدرا للعار هى فى جوهرها –أى هذه النظرة- إنكار لإنسانيته الكاملة. إنها تجرده من حرية الظهور كما يشاء (وكما يحب ملايين الناس، جمهوره).
نقد الأخلاق المحافظة
إنّ هذه الجملة الشعبية (على بساطتها أو تفاهتها كقيمة) تكشف أخلاقا محافظة (بالمعنى السلبى لا الإيجابى فعرض مسرحى كبير مثل الملك لير فى المسرح القومى ومن بطولة الفخرانى لا يمكن أن يكون إلا عملا راقيا محترما جادا ينتفى تماما مع مفاهيم الابتذال والسخافة) تتخفى هذه الأخلاق المحافظة وراء الدين والعرف (على الرغم من أن الكثير من الأعراف بائسة ومزعجة وغير آدمية): «ما يليقش على شيبتك». لكنها أخلاق تطلب من الإنسان أن يكذب على ذاته، أن ينكر شغفه، أن يلغى أمله، كى يحافظ على صورة اجتماعية مقبولة عند أصحاب هذه النظرة.
نجد فى الوجودية التى اتكأنا عليها فى قراءة هذه العبارة ما يشجعنا أيضا لمفهوم هام، «الصدق الوجودى»، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا حتى وإن شخنا، حتى وإن لم تعد أجسادنا كما كانت قبل ثلاثين أو أربعين سنة، تشجع هذه الفلسفة الإنسان قائلة له: أن تعترف بحريتك حتى فى ضعفك. أن تكون منسجما مع ذاتك، لا مع الصورة التى يطلبها الآخرون. أن تتقبل الشيخوخة دون أن تدعها تقيدك.
فى رأيى، فإنّ عبارة «كفاياك كده استحى من الله واللحية البيضاء» ليست مجرد نصيحة ودودة، بل هى تجسد سلطة أخلاقية اجتماعية تضبط الحرية وتخاف من انكشاف الضعف. يحيى الفخرانى فى المقابل يقدم درسا وجوديا بليغا: أن تعيش حريتك إلى آخر الدَرَج، إلى آخر خشبة المسرح، إلى آخر نفس. كما يفعل كل مؤمن بوجوده وقيمته وفعله الخلاق ونماذج هذا كثيرة فى المسرح فى العالم، لكن اختلاف هذه النماذج عن نموذج الفخرانى أنها لا تجد إلا تعليقا ركيكا بدل أن يدعو له بالصحة الدائمة والمزيد من النجاح تطالبه بالتوقف !
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







