فى الذكرى الثالثة والسبعين لثورة 23 يوليو، لم يأتِ خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسى بوصفه مجرد احتفاء بذكرى ثورة عظيمة، بل بدا وكأنه يُعلن رسميًا: مصر لا تعيش على أمجاد الماضى، بل تبنى على أنقاضه مشروعًا أكثر نضجًا، وأعمق وعيًا، وأقوى إرادة. لقد تحولت ثورة يوليو بكل تناقضاتها، إلى ما يشبه «الدرس المفتوح»، الذى قررت الدولة أن تستوعبه، لا أن تكرره، وهنا تتضح ملامح الجمهورية الجديدة: نحن أمام محاولة واعية ومشروع لإنقاذ فكرة الدولة العادلة، ولكن بمنطق لا يعادى السوق، ولا يركن إلى الشعارات، بل يقف على أرض الواقع بكل صلابته وتعقيده.
1 - من الجمهورية الأولى إلى الجديدة
حين قامت ثورة يوليو، كانت مصر تبحث عن الخلاص من الاستعمار، وعن العدالة الاجتماعية، وعن جيش وطنى يحمى، لكن هذا المشروع انكسر تحت وطأة ضغوطات دولية، وصراعات إقليمية، فكانت البيئة غير مواتية، وتآكل بفعل البيروقراطية، وتم اغتياله رمزيًا بانكشافه أمام أول اختبار اقتصادى حقيقى. أما الجمهورية الجديدة - كما يطرحها الرئيس السيسى - فهى لا تدّعى القطيعة مع الماضى، لكنها ترفض أن تكون أسيرة له، نحن لا نعيش فى زمن التحرر الوطنى، بل زمن الحفاظ على الكيان الوطنى ذاته. الفرق هنا ليس فى الحلم، بل فى أدوات تحقيقه، فحين تنهار دول جوارك واحدة تلو الأخرى، يصبح «البقاء نفسه» مشروعًا وطنيًا.
وهذا ما يُعطى لكلمة الرئيس معناها: الجمهورية الجديدة لا تُبنى لتكرار ما سبق، بل لتلافى ما أفشلته تجارب سابقة، إنها لا تكتفى بالشعارات الكبرى، بل تتعامل مع المعادلة الصعبة: كيف تبنى دولة قوية دون أن تتحول إلى دولة قمعية؟ وكيف تضمن الأمن دون أن تغتال الحريات؟ وكيف تزرع الأمل فى وطن أنهكته الانهيارات من حوله؟
2 - العدالة الاجتماعية
من شعارات يوليو إلى «حياة كريمة»
هنا يتبلور الفارق الجوهرى بين ما أؤمن بأنه تحول تاريخى، ففى حين كانت العدالة الاجتماعية فى خمسينيات القرن الماضى تُطبق من خلال التأميم، ما انتقده البعض مدّعيًا عليه أنه نوع من المساواة القسرية، فإن الجمهورية الجديدة تتحدث عن عدالة تبدأ من بنية الحياة اليومية: منزل آدمى، مستشفى صالح، طريق يصل القرى بالعالم، وتعليم يعيد الكرامة للطالب والمعلم.
مشروع «حياة كريمة» لا يُقاس فقط بعدد المنازل، التى تم بناؤها، بل يُقاس - فى رأيى - بأنه يعيد تعريف المواطنة، هو ليس منحة من الدولة للفقراء، بل محاولة لتجسيد أن الفقر ليس قدرًا، وأن الدولة موجودة حيث يوجد المهمشون حين تقول الدولة لـ60 مليون مواطن: «لن نسمح أن تعيشوا فى العشوائيات»، فهى لا ترفع شعارًا، بل تهدم طبقةً من الظلم البنيوى تراكمت لعقود، هؤلاء الذين لم يلتفت إليهم أحد من قبل.
3 - المعركة الآن: الوعى قبل السلاح
أصعب المعارك فى تاريخ الدول، ليست تلك التى تُخاض بالمدافع، بل تلك التى تُخاض بالعقل، هذا ما تفهمه الدولة المصرية اليوم، فبعد أن خاضت حربًا طويلة مع الإرهاب، ها هى تتحول إلى جبهة أكثر صعوبة: حرب الوعى - فى تقديرى - هذا هو الفارق بين دولة تنهض بشعبها، وأخرى تنهار رغم مواردها.
فى زمن منصات الفوضى والتهويل، تصبح المعركة على «العقل الجمعى»، هى معركة المصير، ليس غريبًا أن يقول الرئيس إن مصر «عصية على المؤامرات»، فالمؤامرة لم تعد فى الدبابة، بل فى فيديو مجهول على هاتف المواطن، مواجهة ذلك لا تكون بالرقابة فقط، بل بإعلام ذكى، وتعليم نزيه، وثقافة لا تخاف من السؤال، وهذه - بكل وضوح - لا تزال معركة مفتوحة لم تُحسم بعد.
4 - مصر لا تصرخ.. مصر تصمد
فى زمن انهارت فيه دول كبرى أمام أول زلزال سياسى أو اقتصادى، اختارت مصر الصمت والعمل. الملايين من الضيوف قَدِموا إلى ملاذ آمن، ومجتمع يحتفى بالآخر، مئات المشروعات العملاقة، طفرة عمرانية، وقطاع أمنى أعيد ترميمه بعد أن كاد يتفتت لا يعنى هذا أن كل شىء مثالى - وأنا لا أدّعى ذلك - لكن يعنى ببساطة أن هذه الدولة قررت أن تبقى، وأن تبقى مصر وسط هذا المحيط المضطرب، ليس إنجازًا بسيطًا، بل شهادة على ما يمكن أن تفعله الإرادة حين تتقاطع مع الوعى.
إن العالم - بكل وضوح - لم يعطِ مصر فرصة لتتنفس، ومع ذلك لم تسقط فى العزلة، ولم تنكفئ على جراحها بقيت لاعبًا إقليميًا، ومركزًا للثقل العربى، ومنصة للحوار، حين صمتت المنصات الأخرى.
5 - من ذاكرة الثورة إلى وعى الجمهورية:
التاريخ كدليل عمل لا كحائط مبكى
اللافت فى كلمة الرئيس أنها لم تتعامل مع ثورة يوليو كتاريخ «يُكرَّم» فقط، بل كوعى يُستدعى لتوجيه الحاضر، لم يكن الحديث عن ذكرى 1952 استدعاءً «نوستالجيًا» لعهد مضى، بل توظيفًا ذكيًا لمعناها التحررى والاستقلالى فى لحظة تستدعى وعيًا جديدًا بالسيادة الوطنية، والتنمية كأداة لتحصين القرار السياسى، مصر الثورة تُستعاد اليوم كمصر البنية، والجمهورية الجديدة تقرأ الماضى لا لتتغنى به، بل لتستلهم منه منطق المبادرة، لا منطق الانكفاء.
6 - إنسانية الدولة كمؤشر على قوتها لا ضعفها
من النقاط المحورية، التى أضاءها الخطاب بوضوح، هو ذلك التوازن الصعب بين الصرامة فى مواجهة التحديات والإنسانية فى رعاية المواطن، فمصر التى حاربت الإرهاب، وبنت جيشًا عصريًا لم تتخل عن «حياة كريمة»، بل أعادت تعريف الأمن القومى باعتباره أمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا بقدر ما هو عسكرى، إنها دولة لم تختزل مفهوم القوة فى السلاح، بل وسّعته ليشمل كرامة السكن، وعدالة التعليم، وإنسانية الإغاثة، وهذا وعى نادر فى زمن تتراجع فيه أولويات الإنسان لحساب صراع النفوذ.
7 - الصلابة السياسية ليست فى الإنكار بل فى المكاشفة
كلمة الرئيس، وإن كانت بمناسبة احتفالية فى ظاهرها، جاءت محمّلة برسائل سياسية داخلية وخارجية، مصر اليوم لا تُخفى صعوباتها، بل تعلنها، لا تبيع الوهم لمواطنيها، بل تُشركهم فى مشوار المعاناة والبناء. هنا تكمن الصلابة الحقيقية: حين تكون السلطة قادرة على الاعتراف بالتحديات من دون أن تفقد شرعيتها، وعلى الاعتراف بالألم من دون أن تُفرّط فى الأمل، تلك هى اللحظة الفارقة، التى تميّز دولة تملك مشروعًا من سلطة تملك فقط كرسيًا.
ختامًا: هل نمتلك الجرأة على الإيمان بمشروعنا؟
فى رأيى، ليس السؤال الآن: هل نجحت الجمهورية الجديدة؟ بل السؤال الحقيقى: هل نمتلك نحن كمجتمع الجرأة الكافية على تبنى هذا المشروع، والإيمان به بدلاً من الاكتفاء بمراقبته؟ لقد حان وقت أن نتحول من مشاهدين إلى شركاء، من ناقدين لا يفعلون شيئًا، إلى مواطنين يحمون ما بُنى، ويطالبون بتحسينه، لا هدمه.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







