الدكتور مصطفى الروبي في العيد القومي للإسكندرية : كيف يحمي القانون هوية الإسكندرية من الاندثار؟ ..

الدكتور مصطفى الروبي
الدكتور مصطفى الروبي


الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، ليست مجرد مدينة ساحلية ذات طابع جمالي خاص، بل هي تجسيد حي لحضارات متعددة وتاريخ طويل يتداخل فيه الفرعوني باليوناني، والروماني بالإسلامي، والشرقي بالغربي. هذه المدينة العريقة تحمل في طياتها هوية ثقافية ومعمارية فريدة، تجعل من الحفاظ عليها واجبًا وطنيًا يتطلب تدخلًا قانونيًا جادًا يضمن صون ملامحها وعدم تشويهها، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المدن الكبرى.

 يؤكد د.الروبى على أن العيد القومي للإسكندرية، الذي يوافق السادس والعشرين من يوليو، ليس مجرد احتفال سنوي، بل هو تذكير رمزي بقيمة المدينة وتاريخها النضالي، حين جلا آخر جندي بريطاني عن أرضها عام 1956، بعد كفاح طويل من أجل التحرر والسيادة. هذا الحدث لم يكن سياسيًا فقط، بل كان أيضًا إعلانًا عن استرداد الهوية، وعودة السيادة الوطنية التي يمثلها القانون على كل جزء من أرض الإسكندرية. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الحفاظ على خصوصية المدينة وهويتها مسؤولية قانونية ومجتمعية مشتركة.

 ويشير إلى أن القانون لعب دورًا محوريًا في حماية التراث السكندري، بداية من المباني التاريخية ذات الطابع الأوروبي والعربي، التي تعود لقرون مضت، وحتى الفضاءات الثقافية التي تُعبّر عن التنوع الذي لطالما ميز المدينة. فمن خلال التشريعات التي تجرّم هدم أو تعديل المباني التراثية بدون موافقة الجهات المختصة، أصبح بالإمكان حماية جزء مهم من ذاكرة المدينة المعمارية، ومنع الطمس العشوائي لهويتها البصرية. وقد ساهم قانون حماية الآثار وغيره من القوانين التنظيمية في ضبط عملية الترميم والحفاظ على القيمة الجمالية والتاريخية للمباني.

كذلك، فإن تنظيم الأنشطة التجارية والثقافية داخل الإسكندرية ساهم في الحفاظ على روحها الخاصة. فالقوانين المنظمة لاستخدامات المحال التجارية ومنع الأنشطة المخلة بالنظام أو المشوهة للطابع العام، ساعدت في الحفاظ على صورة المدينة كوجهة ثقافية وسياحية راقية. كما أن تشجيع الفعاليات التي تعبّر عن التراث السكندري، من خلال الأطر القانونية، يعزز من الانتماء ويُعيد الاعتبار للهويات المحلية.

و يضيف د.الروبى أنه مع التوسع العمراني والضغط السكاني، برزت أهمية القانون في توجيه التخطيط العمراني نحو الحفاظ على الطابع السكندري، من خلال اشتراطات بناء محددة تضمن انسجام المنشآت الجديدة مع النسيج التاريخي للمدينة. كذلك، فإن الرقابة على الإعلانات واللافتات تضمن عدم تشويه المشهد البصري العام، وهو ما يمثل حماية للهوية المكانية التي تميز الإسكندرية عن غيرها من المدن.

ولا يقتصر دور القانون على حماية المباني أو المشهد العام فقط، بل يمتد ليشمل اللغة والثقافة المحلية، التي تُعدّ من مكونات الهوية الأساسية. فدعم الدولة للمؤسسات الثقافية والمراكز التعليمية والتشريعات التي تشجع على نشر التراث السكندري داخل المناهج والأنشطة، كلها تمثل أدوات قانونية غير مباشرة لحماية الثقافة الشعبية التي تُعطي للمدينة نكهتها وروحها.

و يختتم د.الروبى حديثه أنه لا يمكن ترك هوية مدينة مثل الإسكندرية لعوامل الزمن أو للضغوط الاقتصادية والعمرانية دون حماية. فالقانون هو الأداة الأساسية التي تضمن استمرار المدينة كما عرفها التاريخ، وكما ينبغي أن تعرفها الأجيال القادمة. وبينما نحتفل بعيدها القومي كل عام، فإننا نعيد التأكيد على أن الحفاظ على هوية الإسكندرية لا يتم إلا في ظل دولة قانون تحمي ماضي المدينة، وتصون حاضرها، وتصنع مستقبلها.

https://mostafaelroby.com/