النشيد الأولمبى: خلق حياة من تحت الأنقاض

النشيد الأولمبى
النشيد الأولمبى


د. منير الحايك

فى خطابه الذى ألقاه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل عام 2010 يقول ماريو فارغاس يوسا "من دون الروايات، لن نُدرك أهمية الحرية لجعل الحياة صالحة للعيش، وليس الجحيم الذى تتحوّل إليه حين تُداس تحت أقدام طاغية أو أيديولوجيا".. ويكمل فى السياق نفسه ليقول «نختلق الروايات لنتمكن من أن نعيش بطريقة أو بأخرى الحياة المتعددة التى نحب أن نعيشها، بينما تتاح لنا حياة واحدة بالكاد»، ولأننا فى بلادنا محكومون منذ، لا نعرف تحديدًا، بالطغيان، مهما تعددت أنواعه وتنوعت، تأتى رواية "النشيد الأولمبى»)دار نوفل 2025) لتقول إن الحرية متاحة، وإنّ تعددت الحيوات المحكومة بالتفاؤل يمكن أن تُصاغ على الرغم من كل الخراب المحيط بنا.

الرواية تبدأ فى اللاذقية وتنتهى هناك، وتمر على قاعدة حميميم الروسية هناك، لأنّ أحد أبطال الرواية روسى، وهو أمر جديد طرحته الرواية فى إشراك هذا الروسى بوصفه "إنسانًا" نقرأ قصته منذ طفولته ونتابعها، وتنتهى الرواية معه ومع حلمه بالطيران ورمى الورود.

تبدأ الرواية مع بطلتها علياء ووالدها، التى تعرّفنا الرواية بباقى أفراد العائلة سريعًا، فادى الذى هاجر مع خاله فادى، والأخت التى تعيش مع عائلتها فى دبى، التى تطلب والدها للزيارة فيما بعد، ورواد الذى خدم فى الجيش ومات هناك، الذى لا نعرف كيف مات، انتحارًا أم مقتولًا، وهو أمر أرادته الرواية لتدخلات المتلقى فى التحليل، كلّ بحسب موقفه من ذلك الجيش. علياء التى نعرف عنها أنها تعيش الحياة ببطء مع والدها، وهو أمر منذ بداية الرواية يدعو إلى الاسترخاء والاطمئنان بأن المتلقى لن يلاحق القضايا الكبرى ولن يضطر لملاحقة مواقف حادّة للكاتب، وهو ما جعل الرواية قادرة على حمل التفاؤل وتحمّله حتى نهايتها.

يدخل الضابط صفوان على خط السرد حيث يحضر ليأخذ اللوحة التى رسمتها قريبة الضابط الروسى الطيّار لوكاس، كانت علياء قد حصلت عليها عندما زارت بيروت، وهى التى تعمل فى الترجمة، ومن بعده يظهر لوكاس، بوصفه الضابط، ولكن لا تمهلنا الرواية حتى تدخله بوصفه الشخصية التى نتابع طفولته ومراهقته محبًّا للشطرنج وبارعًا بها، وما حصل مع أمه وعشيقها وأسباب ابتعاده عن تلك اللعبة وعمّا يحب، وما يحصل معه فى أثناء خدمته فى اللاذقية، ولكن الأهم هو علاقة الحب التى ستجمعه بعلياء، ومعهما أيضًا تستمر حال التفاؤل بالسيطرة، على الرغم من محاولات الضابط صفوان تعكيرها، ولكن النصّ جعل من علياء "بطلةً" لنشر التفاؤل، حيث يتغيّر الضابط وأفكاره ولا تتغيّر حال قصّتها ولوكاس بسببه.

قصة بديع الموهوب المظلوم، ومشاكله مع والده، كانت له إحدى القصص التى نعرفها عن كثيرين من أبناء البلاد الذين يحيلون أسباب فشلهم إلى غيرهم، ومعه فيما بعد تظهر سوسن ونعيم، اللذان يساهمان فى أن يمثّل بديع دورًا أخيًرا، وبصرف النظر عن العلاقات وما أدته فنيًّا لتدعم الرواية،كانت كل شخصيات الرواية وما قامت به سائرة لتدعم حال التفاؤل الذى أراده الكاتب لبلاده، وهى التى كُتِبت قبل سقوط النظام فيها.

الجميل فى الرواية أنها لم تأخذ المتلقى إلى تحمّل أعباء الخوض فى تفاصيل مصائب البلاد، ومسببى هذه المصائب، ولم تغُص فى أسباب الفساد وأصحابه والقتلة والجرائم والمجرمين، بل أرادت أن تُرُج أهل البلاد، الذين ما زالوا يعيشون داخلها على الرغم من كل الظروف، لتقول إنهم يقاومون بطرق مختلفة وكثيرة ليصمدوا ويستمروا فى الحياة، وليس اللعب والفنّ والحبّ إلا الأدلة الأرقى لمحاولات هؤلاء البسطاء لخلق حياة من تحت الأنقاض.

وعلى الرغم من لطافة النصّ، تبقى بعض الأمور قد تكون فى خانة الخلل الذى كان يمكن تفاديها، فالرواية تبدأ بأن علياء عندما ستقوم بقلى البيضات الثلاث لن يبقى لها ولوالدها شىء، ولكن لا يُبنى على الأمر ما يتبعه، بل إن كل أحداث الرواية تُظهر علياء ووالدها أنهما فى حال من اليسر، أو على الأقل ليسا من الفقراء، فكان التمهيد غير موفق ومعها يمكن الحديث عن تدخّلات الراوى العليم «التنظيرية»، وهى من الأمور التى كان يمكن أن تحضُر، ولكن على لسان إحدى الشخصيات، بطريقة مبررة.

بالإضافة إلى أمر كان يمكن أن يكون فى صلب الرواية وحركتها، وهو ما قامت به علياء مع الضابط صفوان، لتُظهِر هشاشةً ما لديه، ولتغيّر من نظرته إلى الأمور ومن نظرة المتلقى، والمواطن العادى، إليه، إلا أنها جاءت سريعة، فلا شخصية علياء كان مبررًا لها ما قامت به فى المشهد الذى تمسكه به وتستفزه، ولا تغيره السريع كان مبّررًا، أو ممهدًا له على الأقل. وأمرّ سريعًا على خلاف أخيها فادى مع خاله لأنه «مثليّ» الجنس، فكأن الكاتب أراد إقحام شخصية مثلية، فوقع خياره على فادى الغائب.

فكرة لعبة «عجن الكلام» كانت من الأقوى، والأكثر تأثيًرا بحال التفاؤل التى أرادتها الرواية أن تسيطر، ولكن لم توظّف بشكل كبير، أو على الأقل كان يمكن لها أن تكون عنوانًا للرواية، فالعنوان لم يكن موفقًا برأيى، على الرغم من النهاية التى أشارت إليه بشكل سريع.

رواية النشيد الأولمبى» من الروايات القصيرة التى تبسّط الحياة على الرغم من كل تعقيداتها، وتمهّد للحبّ والأمل على الرغم من الخراب المحيط بذلك الأمل، وتسعى إلى إبطاء الوتيرة ليستطيع الإنسان التفكير بهدوء وعمق بكل ما يتعلق بحياته وحياة من حوله، كان يمكن أن تقدم بشكل أقوى وأعمق، ولكن على الرغم مما سبق وذكرته من مآخذ، تبقى أفكارها وشخصياتها حاجة للمتلقى العربى، حتى نعيش الحياة المتعددة التى نحب أن نعيشها.»