ثورة 23 يوليو| بالصوت والصورة.. أفلام وثقت انهيار الملكية وانحياز الشعب للأحرار

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


■ كتب: أحمد سيد

أدرك قادة الثورة مبكرًا دور الفن كأداة فاعلة فى نشر قيم التحرر والعدالة الاجتماعية لتؤسس الدولة عام 1955 «المؤسسة العامة للسينما» ، ثم تأميم «ستوديو مصر» عام 1963، ووفق إحصائيات المركز القومي للسينما، قفز متوسط الإنتاج السنوى من 20 فيلماً في الأربعينيات إلى 50 فيلماً خلال الستينيات، مسجلاً ذروة غير مسبوقة فى تاريخ الصناعة.

برزت موجة من الأعمال التى جسّدت روح الثورة بشكل مباشر أو رمزى، مثل فيلم «الله معنا» (1952) - أول عمل سينمائي يعالج الأحداث، والذى كشف فساد أسلحة الجيش فى حرب فلسطين 1948 كتمهيد للثورة، فيما واجه عرضه عراقيل سياسية قبل أن يعرض بقرار شخصى من جمال عبد الناصر بعد مشاهدته فى عرض خاص،  أما «رد قلبي» (1957) المقتبس من رواية يوسف السباعي، فقد صوّر الصراع الطبقى عبر علاقة الحب المستحيلة بين الأميرة «إنجي» وابن الفلاح «علي» الذى يصبح ضابطاً، مع حذف اسم محمد نجيب من الفيلم لأسباب سياسية، وقدم فيلم «في بيتنا رجل» (1961) تجسيداً درامياً لنضال المصريين ضد الاحتلال قبيل الثورة، بينما كشف «القاهرة 30» (1966) المستوحى من رواية نجيب محفوظ فساد العهد الملكى عبر شخصية «محجوب عبد الدايم» المتسلق اجتماعيًّا.

◄ اقرأ أيضًا | ثورة 23 يوليو| «على المنبر».. يوم وقف جمال في الأزهر يهتف: «سنقاتل»

◄ عبقرية متعددة الأبعاد

تميزت هذه الحقبة بتكامل غير مسبوق بين الموهبة الفردية والدعم المؤسسي، ووفق الناقد طارق الشناوي فإن: «السينما المصرية بعد الثورة لم تكن ترفيهًا فقط، بل كانت مدرسة لفنّ هادف، حيث برع كتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس فى تقديم سيناريوهات عميقة». 

كما أتقن مخرجون كبار فن تحويل الواقع السياسى إلى رموز فنية؛ ففى «الأرض» (1969) ليوسف شاهين، تحول نضال الفلاحين ضد الإقطاع إلى استعارة للإصلاح الزراعي، بينما حوّل شاهين فيلم «الناصر صلاح الدين» (1963) إلى خطاب عن القومية العربية، أما هنري بركات فأبدع فى تصوير الصراع الطبقى عبر أفلام مثل «الحرام» (1965)، فى حين قدم  فى «الباب المفتوح» (1963) صورة متقدمة لتحرر المرأة المصرية.

أعادت الثورة هيكلة المشهد الثقافى عبر مؤسسات فاعلة، ففى عام 1957 أُنشئت وزارة الثقافة والإرشاد القومى التى تولى أحد الضباط الأحرار «ثروت عكاشة» رئاستها لاحقًا، وتم من خلالها إنشاء قصور الثقافة فى 14 محافظة و أكاديمية الفنون التى ضمت معهداً للفنون الشعبية، ما وسّع قاعدة الجمهور وأتاح مساحات أوسع للإبداع،  كما غنّت ليلى مراد «نشيد التحرير» (1952) الذى حمل شعار الثورة «الاتحاد والنظام والعمل»، ليكون أول عمل فنى يمجّد «الحركة المباركة»، وساهمت سياسات دعم التوزيع فى العالم العربى فى تعزيز مكانة مصر كمركز سينمائى إقليمي، حيث يشير الباحث د. أحمد رأفت بهجت إلى أن الدولة لعبت دورًا محوريًّا فى «تعزيز انتشار الأفلام المصرية عربيًّا كأداة لقوة مصر الناعمة».

واجهت هذه النهضة تراجعًا بعد نكسة 1967 بسبب التحديات الاقتصادية، لكنها لم تفقد قوة التأثير، وحسب الناقد محمود قاسم أن أفلام هذه الحقبة مثلت «وثيقة بصرية» لتاريخ مصر الحديث.