المؤكد أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يُخطئ حين رفع شعارات العروبة وتبنى قضايا الأمة العربية، ولكن يبدو أنه كان يحلم أكثر من اللازم، بأمة عربية واحدة وجيش موحد ومصير مشترك، ومات مرتين: الأولى يوم تحطم الحلم بهزيمة ٥ يونيو، ١٩٦٧ والثانية يوم أسلم الروح بعد إنقاذ الفلسطينيين من مذبحة أيلول الأسود ١٩٧٠.
وفى تسريبات ظهرت مؤخرًا، يبدو أن عبد الناصر راجع حساباته قبل وفاته، وأدرك أن الشعارات لا تحرر أرضًا وأن قوة مصر فى ذاتها لا فى من يصفقون له، وأن الزعامة لا تُمنح بل تُنتزع فى ميادين الكرامة والبناء لا الخطابة والضجيج.
أما الرئيس السادات فقد آمن أنه لا وقت للانتظار، ولا جدوى من التعويل على «اللاموقف» العربى، وحرر الأرض بقرار مصرى خالص، ولو انتظر «الإجماع» العربى لظلت سيناء محتلة حتى اليوم مثل الجولان.
الذين لم يغفروا للسادات جرأته، هم من تمنوا السير على دربه بعد وفاته، وفتحوا الأبواب مع إسرائيل بعدما أُغلقوها على مصر، واعترفوا بالخطأ لأنهم لم يلحقوا بطائرة السادات.
كان السادات يدرك أن العروبة لا تعنى أن تُستنزف مصر فى معارك الآخرين، وأن القيادة لا تُصاغ بالشعارات بل تُبنى بالمبادرة والقدرة، وأن مصر لا تحتمل أن تكون «رهينة» حسابات الآخرين.
وفى زمن الشعارات تصور بعض الإخوة أن قوتهم فى إضعاف مصر وأن إفقارها ثراء لهم، وأن بإمكانهم الجلوس على مقعد القيادة، فى منطقة لم تعد فيها قيادة، وتحيطها المؤامرات من كل جانب، وتناسوا أن قوة مصر صِمَام أمان للمنطقة بأسرها، وإضعافها تهديد لمستقبل الإقليم بكامله.
وللذكرى فقط أتساءل: أين ذهبت «جبهة الصمود والتصدى» التى وُلدت لمحاربة السادات، وحاصرت مصر بدلًا من أن تحاصر إسرائيل، وأخطأت فى تحديد العدو الحقيقى؟.
ثم جاء الإرهاب، ليُسدل الستار على ما تبقى من شعارات العروبة، وتغيرت الشعوب التى كنا نقول إنها أكثر وعيًا إلى أدوات كراهية، تغذيها مواقع مشبوهة وفضائيات ممولة وجماعات مأجورة.
وأخطر الجماعات كانت ولا تزال هم الإخوان المسلمين، الذين تمردوا على وطنهم، وباعوا أنفسهم وساهموا فى تأجيج الكراهية وحاولوا تمزيق النسيج وتصدير الفوضى باسم الدين.
مصر اليوم لا تحتاج من يُثنى على دورها، ولا من يمنحها شهادة القيادة، وهى الدولة التى إن ضعفت اختلت المنطقة، وإن نهضت عادت المعادلة إلى توازنها، وثروتها فى وعى شعبها الذى يعرف أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات، ولا تُحرس بالشعارات، بل بالتضحية والعمل والإرادة.
ليس من الإنصاف أن نحكم على تجارب زعماء مصر بمقاييس اليوم، بل بظروف ذلك الزمن الذى كان فيه الحلم العربى مشروعًا يستحق التضحية، وكما لم يخطئ عبد الناصر فى إيمانه بالعروبة ووحدة المصير، أصاب السادات باختياره طريقًا إلى تحرير أرضه المحتلة واستعادة الكرامة والكبرياء.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







