بريطانيا.. كير ستارمر رئيس الوزراء فى مواجهة الدولة العميقة

كير ستارمر رئيس الوزراء فى مواجهة الدولة العميقة
كير ستارمر رئيس الوزراء فى مواجهة الدولة العميقة


فى عامه الأول كرئيس لوزراء المملكة المتحدة، وجد كير ستارمر نفسه فى مواجهة ما يُشبه متاهة دستورية وإدارية تحد من قدرته على الوفاء بوعود التغيير التى دفعت الملايين لاختياره.

ورغم امتلاكه لأغلبية برلمانية، سُرعان ما اتضح له أن السلطة التنفيذية فى بريطانيا لا تُمارس من مركز موحد، بل تتوزع على شبكة مُعقدة من المؤسسات، غير المنتخبة فى الغالب، التى تحولت مع الزمن إلى قوة مانعة لأى تحرك جذرى.

اقرأ أيضًا | بريطانيا: المفوضية الأوروبية تدعم اتفاق إعادة المهاجرين رغم اعتراضات دول جنوب أوروبا


فالنظام البريطانى، القائم على أعراف غير مكتوبة تشكلت عبر قرون، أصبح اليوم عبئًا على أى مشروع إصلاحى، وهو ما بدأ يتجلى بوضوح فى تجربة ستارمر خلال عامه الأول.

وكان الناخبون، الذين أنهكتهم سنوات من التقشف والأزمات الاقتصادية، قد راهنوا على قدرة حزب العمال إحداث نقلة نوعية فى الأداء الحكومى والخدمات العامة، لكن سُرعان ما اصطدمت هذه التطلعات بجدار صلب من العوائق المؤسسية التى تجعل التغيير مهمة عسيرة.

فإصلاح منظومة الرعاية الاجتماعية، على سبيل المثال، قوبل بتمرد داخل مجلس العموم شمل حتى بعض نواب حزب العمال، حين اعترضوا على مقترحات الحكومة للحد من نفقات إعانات الإعاقة، التى تجاوزت 48 مليار جنيه إسترلينى سنويًا. هذا الاعتراض لم يكن مصحوبًا ببدائل واقعية، مما دفع وزيرة المالية راشيل ريفز، إلى التحذير من أن كلفة هذا التمرد سيدفعها المواطنون، إما عبر زيادة الضرائب أو عبر خفض الإنفاق على خدمات أخرى.

وبعيدًا عن الجدل السياسى الآنى، تظهر الصورة الأوسع أن هناك أزمة هيكلية عميقة، ذلك أن التكلفة المتصاعدة لدعم المواطنين غير المنخرطين فى سوق العمل، سواء لأسباب صحية أو اقتصادية، تكشف عن مشاكل مُتجذرة فى الاقتصاد والمجتمع البريطانى.

وبالاقتران مع ارتفاع مستويات الدين العام، وازدياد الضرائب، وتضخم فاتورة الخدمات العامة، وضعف مُعدلات النمو، تصبح التوقعات المستقبلية للاقتصاد البريطانى قاتمة للغاية.

والحقيقة المُرة، أن حكومة ستارمر لا تمتلك هامش المناورة الذى كانت تتمتع به حكومة حزب العمال فى عهد تونى بلير أو جوردون براون، فحينها كانت الموارد متوافرة، والظروف الاقتصادية أكثر تفاؤلًا، وكانت الدولة قادرة على الاستثمار بكثافة فى التعليم والصحة والبنية التحتية، أما اليوم، فإن النظام تَحَوَّل إلى مستنقع من القيود التى تعوق أى مسعى جاد للتغيير.

ورغم السُمعة القديمة لبريطانيا كدولة مركزية القرار، فإن المشهد المُعاصر يعكس تفتتًا فى مراكز النفوذ، فإلى جانب الحكومة المركزية، هناك سلطات محلية مُوسعة، وهيئات تنظيمية مستقلة، ومحاكم، ومستشارون قانونيون، وهيئات رقابية، وهيئات شبه حكومية، كل منها يمتلك صلاحيات فعلية تُمكِّنه من عرقلة أو تأخير السياسات الجديدة.

ولا تؤثر هذه البيروقراطية المتشابكة فقط على السياسيين، بل تطال الحياة اليومية للبريطانيين، من رواد الأعمال الشباب إلى الشركات الصغيرة، الذين يواجهون شبكة مُعقدة من التصاريح والموافقات والمعوقات القانونية والتنظيمية، تجعل التقدم شبه مستحيل فى بعض الأحيان.

الأمر اللافت، أن كثيرًا من هذه العوائق لم تُفرض على الحكومة من الخارج، بل كانت نتيجة قرارات طوعية اتخذها البرلمان نفسه عبر عقود، حين فَوَّض سلطات واسعة إلى كيانات غير منتخبة تحت شعارات مثل الكفاءة أو الحياد أو الاستقلالية.

غير أن النتيجة كانت خلق نظام إدارى ثنائى، تتحكم فيه جهات غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية، على حساب البرلمان المُنتخب الذى من المفترض أن يكون مركز السلطة التنفيذية، وهكذا باتت هناك فجوة متزايدة بين ما يُوعد به الناخبون فى الحملات الانتخابية، وما يُمكن تحقيقه فعليًا عند الوصول إلى الحكم.

ويدرك كير ستارمر، خطورة هذا المأزق، وقد تَعَهَّد فى حملته الانتخابية بإحداث «ثورة فى طريقة الحكم»، تبدأ بإصلاح الأجهزة شبه الحكومية، وتبسيط منظومة التخطيط، وتحديث الخدمات العامة باستخدام الذكاء الاصطناعى، بهدف وضع المواطن فى قلب الخدمة بدلًا من البيروقراطية.

لكنه يعلم جيدًا أن تحقيق هذه الوعود يتطلب قرارات شجاعة قد تكون صادمة، لأن تفكيك هذا الإرث الإدارى المُعقد لن يتم بالوسائل التقليدية.

لقد وصف أحد التحليلات، هذا التحدى بأنه بحاجة إلى «فؤوس ومطارق ثقيلة»، فى إشارة إلى ضرورة المواجهة الجذرية مع النظام القائم.

ورغم الشكوك التى تبديها استطلاعات الرأى حول قدرة حكومة ستارمر على إحداث التحول المنشود، فإن فقدان الثقة لا يجب أن يتحول إلى استسلام جماعى، فالبديل عن الإصلاح الحقيقى سيكون استمرار الانحدار الاقتصادى والاجتماعى، وهو ما لا يمكن أن يقبله البريطانيون إذا أرادوا الحفاظ على ديمقراطية فاعلة واقتصاد منتج، وهنا يصبح دعم الإصلاحات العميقة واجبًا سياسيًا ومجتمعيًا، لأن استمرار البنية الإدارية الحالية يعنى ببساطة أن الانتخابات لم تعد وسيلة فَعَّالة للتغيير، بل مجرد طقس شكلى لا يُغيِّر من الواقع شيئًا.

وهنا تقع المسئولية الكبرى على عاتق ستارمر نفسه، إذ لم يعد أمامه سوى خيار واحد، وهو أن يخوض المواجهة مع هذه الدولة العميقة أو ما يمكن تسميته هنا بـ «البيروقراطية المتضخمة»، أو أن يصبح مثل مَن سبقوه، ضحية لنظام يُفرِّغ السلطة من مضمونها.

وستكون السنة الثانية من حكمه حاسمة، لأنها ستُحدِّد ما إذا كانت الديمقراطية البريطانية لا تزال قادرة على التجدد، أو ما إذا كانت قد دخلت فى مرحلة الشلل المؤسساتى، فإما أن يثبت أن الناخب البريطانى لا يزال قادرًا على توجيه الدولة عبر الانتخابات، أو أن ينهار الإيمان بالنموذج الديمقراطى ذاته، حين يصبح واضحًا أن إرادة الشعب لا تترجم إلى سياسة فعلية.

لقد بات ستارمر أمام اختبار وجودى، ليس لحكومته فقط، بل لمستقبل الحكم فى بريطانيا.