محمد إسماعيل
لم تكن ثورة يوليو 1952 حدثا سياسيا فقط، بل كانت بداية عصر جديد انعكس صداه في الإبداع والفنون، وفي مقدمتها الأغنية التي لعبت دورا مهما في بث الحماس وبناء الوعي الجمعي للمصريين، فقد تحولت الأغنية من مجرد وسيلة ترفيه إلى أداة وطنية مؤثرة تنقل مشاعر الشعب وتوحده خلف أهداف الثورة وطموحاتها.
قدمت ثورة يوليو عددا من الأغاني الخالدة التي أصبحت رمزا لمرحلتها وزاد معنويا للأجيال، من أبرزها أغنية “ثوار” لمحمد عبد الوهاب التي لحنها عقب الثورة مباشرة، لتكون نشيدا للضباط الأحرار، وأغنية “يا أغلى اسم فى الوجود يا مصر” لعبد الوهاب أيضا، وأغنية “حكاية شعب” التي غنتها أم كلثوم في تأميم القناة، و”والله زمان يا سلاحى” التي أصبحت النشيد الوطني المصري حتى السبعينيات، وكذلك غنت شادية “يا حبيبتي يا مصر” وعبد الحليم حافظ “إحنا الشعب” و”صورة” و”يا أهلا بالمعارك”.. وظلت هذه الأعمال شاهدة على لحظة تاريخية صنعت الوجدان المصري والعربي.
في السطور التالية يتناول بعض صناع الموسيقي العلاقة بين الأغنية والثورة، وتأثير كلا منهما على الآخر، ومدى استفادة الأغنية من نجاح الثورة.
روح الأغنية
في البداية يرى الشاعر الموسيقي عوض بدوي أن الأغنية المصرية بعد ثورة يوليو اختلفت جذريا عما قبلها، موضحا أن الأغنية الوطنية تحولت من كونها أغان فردية عابرة إلى وجدان شعب كامل يردد كلماتها ويحيا مع ألحانها، مضيفا أن الأغنية الوطنية فى تلك الفترة لم تكن مجرد تكليفات أو تعليمات، بل كانت تعبر عن حالة شعورية حقيقية عاشها المصريون حين شعروا لأول مرة أن وطنهم ملك لهم وأن لهم دورا فى بنائه والدفاع عنه، وأن تعاون كبار الشعراء والملحنين والمطربين مع مؤسسات الدولة ساعد فى إنتاج أغان قوية وعظيمة فنيا، مثل “صورة” و”حكاية شعب” و”إحنا الشعب” و”الوطن الأكبر”، وكلها أغان جسدت وحدة العرب والمصريين خلف قائدهم ومشروعاتهم القومية.
ويضيف عوض بدوي أن الثورة دعمت الأغنية بشكل كبير، حيث فتحت الباب أمام شعراء وملحنين جدد مثل عبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي وكمال الطويل ليقدموا أعمالا وطنية مبهرة ظلت حتى اليوم حاضرة في وجدان الشعب المصري.
ويكمل عوض بدوي أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يعي تماما قيمة الأغنية في تحفيز الناس وتقوية عزيمتهم لذا كان يطلب بنفسه إنتاج أغنيات تتحدث عن الإنجازات القومية، مثل بناء السد العالي وتأميم القناة ومشروعات الإصلاح الزراعي مما خلق حالة من التلاحم بين الفن والسياسة والوطنية في أجمل صورها.
ويشير عوض إلى أن عبد الحليم حافظ كان أيقونة الأغنية الثورية، حيث استطاع بصوته وأدائه أن ينقل أحلام الناس البسيطة وآمالهم الكبيرة، وكانت كل أغنية وطنية يقدمها بمثابة احتفال شعبي حقيقي يشعر فيه المصريون بالفخر والانتماء.
ويختتم عوض حديثه بالتأكيد على أن ثورة يوليو أعادت تعريف الأغنية المصرية وجعلتها جزءا من حياة الناس اليومية، وهو ما منح الأغنية مكانة عظيمة ظلت حتى اليوم علامة مضيئة فى تاريخنا الموسيقي.
توثيق الحدث
أما الموسيقار منير الوسيمي فيرى أن الأغنية كانت وثيقة حية توثق أحداث الثورة وتاريخها بلغة بسيطة تصل مباشرة إلى وجدان الشعب، موضحا أن الأغنية استطاعت تقديم مشروعات الثورة وقادتها وصورة الوطن الجديد بشكل فني مميز، وأن هذه الأغاني لعبت دورا كبيرا فى رفع الروح المعنوية للشعب فى مختلف المواقف، سواء فى بناء السد العالي أو فى الحروب أو حتى فى الأعياد الوطنية، فكانت الموسيقى دائما هي العامل المشترك بين كل المصريين مهما اختلفت ظروفهم الاجتماعية، كما أن الأغنية الوطنية المصرية بعد ثورة يوليو ستظل رمزا لعصر من أجمل عصور الفن، حيث اجتمعت فيها الكلمة الجميلة مع اللحن الراقي والصوت الصادق لتشكل معا تاريخا موسيقيا لن ينساه المصريون أبدا.
ويضيف الوسيمي أن الأغاني الوطنية فى عهد الثورة لم تكن مجرد ألحان حماسية، بل كانت تحمل رسائل إنسانية عميقة عن الأمل والعمل والتكاتف والبناء، لافتا إلى أن هذه الأغاني قدمت مصر للعالم العربي كدولة رائدة تقود شعوب المنطقة نحو التحرر والنهوض.
اقرأ أيضا: الأغاني الوطنية تزين احتفالات جنوب سيناء بذكرى ثورة 23 يوليو
ويكمل الوسيمي أن من أبرز سمات أغنية الثورة هو التنوع الشديد في الألحان والكلمات، حيث نجد قصائد عبد الوهاب وأغاني عبد الحليم العاطفية الوطنية وأناشيد أم كلثوم المهيبة إلى جانب الأغاني الشعبية التى قدمها كارم محمود وشادية ونجاة الصغيرة، وكلها كانت تخدم هدفا واحدا هو غرس روح الوطنية في النفوس.
ويشير الوسيمي إلى أن إذاعة هذه الأغاني عبر الراديو والتلفزيون الناشئ وقتها ساعد على انتشارها بسرعة كبيرة، فكانت كل أغنية وطنية حدثا فنيا ينتظره الملايين وهو ما عزز من قوة الثورة وتأثيرها.
ويختتم منير حديثه بالتأكيد على أن الأغنية المصرية في عصر يوليو كانت لسان حال الثورة ونبض الشارع وصوت الأمل مما جعلها تعيش حتى اليوم في ذاكرة المصريين والعرب كأجمل ما أنجبت تلك المرحلة التاريخية.
« من تورونتو إلى تريند العالم» .. حقيقة علاقة مبابى ونورا فتحى تحت أضواء كأس العالم
النقاد : الفلكلور المصرى لن يختفى
متقال .. صوت الجنوب الذى ابهر العالم





