كل أسبوع

محمد ياسين يكتب: كأن الغش حق لكل طالب!

محمد ياسين
محمد ياسين


أتذكر المشهد الكوميدي للفنانة عبلة كامل في فيلم اللمبي عندما كانت تقوم «بتغشيش» ابنها من خارج اللجنة، وبالرغم من أنه مشهد تمثيلى كوميدى، ولكن ما يحدث فى موسم الامتحانات جعلنى أتساءل: هل استوحى الآباء والأمهات فكرة «تغشيش» أبنائهم من أحداث هذا الفيلم؟ أم أن الفيلم استوحى الفكرة من الواقع الذى لم نكن نعرفه قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعى؟.

لا تبدو الإجابة هنا مهمة بقدر أهمية البحث عن السبب الذى يجعل من هؤلاء الأبناء والأمهات ينخرطون فى ارتكاب جريمة الغش، كأن الغش أصبح حقاً مكتسباً لأى طالب فى الامتحان - إلا من رحم ربى - بلا غضاضة ولا شعور بتأنيب الضمير، ولكن أطلت علينا صفحات التواصل الاجتماعى بفيديو لطالبة فى الصف الثالث الإعدادى تصرخ وهى تقول «المراقبين مفيش فى قلوبهم رحمة».. كلمات غاضبة رددتها تعبر فيها عن استيائها من تشدد المراقبين داخل لجان الامتحانات، وهى تشتكى إلى اللهً رفضهم السماح لها بالغش ولو فى سؤال واحد فقط، وهى فى حالة من الانزعاج، أن اللجان كانت صارمةً، ما حال دون تمكن الطلاب من الغش.

وفيديو آخر متداول عن محاولة ضرب معلمة منعت طالبات فى لجنة ثانوية عامة من الغش، كأن المدرّسة التى منعت الغش فى اللجنة ارتكبت جريمة، فما كان من الأمهات اللاتى يعددن شعبا طيب الأعراق إلا أن اقتحمن المدرسة بعد الامتحان لمطاردة المُعلمة «المجرمة»، والمطالبة بالقصاص وقطع رقبتها لأنها منعت الغش! ولولا شجاعة ضابط الشرطة الذى قام بدوره، ومنع الأمهات من النيل من المدرسة وحمايتها لحدث ما لا يُحمد عقباه، انتهى الفيديو وسط سباب من الأمهات للمُدرسة ولكن المأساة لن تنتهى وإن تصالحت المعلمة فهناك حق مفروض للمجتمع والدولة، إن تنازلت المعلمة لأى سبب كان، فحق المجتمع والدولة لا يمكن أن يسقط، فهيبة المعلم من هيبة الدولة، وترهيب المعلم مساس بهيبة وزارة التعليم بكل مسئوليها، وهناك قانون لا بد أن يطبق على المعتديات، ما حدث جريمة موثقة بالصوت والصورة وكانت على مرأى ومسمع من الجميع.. إن تصالحت المعلمة فهذا شأنها.. أين حق المجتمع والدولة؟

ويبدو أن «ثقافة الغش» أصبحت ظاهرةً شائعة ليس فى الامتحانات فقط، لكنها طالت المجتمع المصرى فأصبحت آفة فى كل المجالات، وقديما كان الغش وصمةً فى حق الطالب، حيث كان النجاح والتفوق يعتمدان على الاجتهاد والسعى الحقيقى لإثبات الذات، أما اليوم، ومع تراجع الثقة بقيمة التعليم، أصبح هدف الطلاب الانتقال من سنة إلى أخرى، ليس المهم التفوق وإنما النجاح هو الغاية وتأتى الوسيلة بأى طريقة.

ولا شك أن دور المدرسة أصبح هامشيا فى تلقى العلم داخل الفصول، والمناهج مملة لدرجة أنها لا تثير اهتمام الطلاب ولا تلبى احتياجاتهم الفعلية، حيث يشعر الطالب بأن ما يدرسه لا يرتبط بحياته العملية أو طموحاته فى المستقبل، ما يجعله يفقد الرغبة فى التحصيل، ويلجأ إلى الغش بوصفه وسيلةً لضمان النجاح دون مجهود حقيقى.

المشكلة تكمن فى أن الأسرة المصرية أصبح لديها هوس مفرط بالدرجات العالية، حيث يضغط الأهالى على أبنائهم لتحصيلها، وهذا الضغط يولد سلوكيات غير أخلاقية، من بينها الغش، وبمرور الوقت اعتاده الطلاب حتى أصبح الغش حقاً مكتسباً من حقوق الطلاب.

ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت أساليب الغش أكثر تطوراً، مع استخدام الهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وطرق إلكترونية لتمرير الإجابات بين الطلاب، ولا تزال هناك ثغرات يستغلها بعض الطلاب للتحايل، ما جعل مكافحة ظاهرة الغش أكثر تعقيداً، رغم محاولات الجهات التعليمية تشديد الرقابة على الامتحانات.

الغش فى الامتحانات لا يقف عند حدود الورقة والقلم أو داخل اللجان، بل يترك آثارا خطيرة تمتد لما بعد التخرج، تؤدى لتدمير مبدأ تكافؤ الفرص، حيث إن المجتهد والغشاش يصبحان سواسية، ما يقتل الحافز لدى المجتهد، فيسعى هو الآخر بكل طاقته إلى الغش للوصول إلى فرصة متكافئة مع الغشاش، وبعد ذلك يعتاد الطالب الغش.. ينشأ وهو يعتقد أن النجاح فى الحياة لا يحتاج إلى جهد، بل إلى «تحايل ذكى»، ووقتها تفقد الشهادات قيمتها، ويتخرج محدودو الإمكانيات بطرق ملتوية، تنهار مكانة الجامعات، ويصبح التعليم بلا معنى!

ويجب ألا نظلم الطالب الغشاش، ويجب ألا نلتمس له العذر أيضًا، لكن كلنا مدانون، حيث إننا أسقطنا القدوة، وأصبحت قدوة الطلاب هذه الأيام أمثال مؤدى أغانى المهرجانات، وتنازل المجتمع والإعلام عن قدوة من أمثال أحمد زويل والشهيد أحمد المنسى الذى ضحى بنفسه من أجل بلده، فلا يمكن أن نلوم على الطلاب إن سألناهم من هو أرسطو فيقولون هو مغنى راب!

في النهاية المناهج تحتاج إلى تغيير، وفكر الأسرة أيضا يحتاج إلى تنوير، والطلاب يحتاجون إلى القدوة التى تنير لهم الطريق، دعونا نكتب من جديد كتاب الأخلاق، لأننا أصبحنا فى زمن كله شتيمة.. مفيش أخلاق!!