توفيق الحكيم يكتب: المرأة والبيت

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم


 سألَتنى إحدى المجلات عن رأيى فى الفتاة المصرية الحديثة، وفهمها لرسالتها نحو البيت، فأبديت خوفًا شديدًا من أن يؤدى تيار الحياة العصرية إلى جرفها بعيدًا عن واجبها الأسمى، فالفتاة اليوم أمام هيكلَين يؤثران فى عقليتها الناشئة : دُور السينما، ودُور الجامعات، وأخشى أن أقول إنَّ الفتاة إذا فقدت الاتزان،

واندفعت بكل روحها إلى أحد هذَين الهيكلين، فلا مناص لها من أن تكون إحدى اثنتين: الأولى: تلك التى تخرَّجت بنجاح فى دور السينما والملاهى، وحذَقت تقليد ممثلات هوليوود، ولا تعرف من شئون الدنيا والآخرة غير الكلام فى الجاذبية وقلة الجاذبية التى عند الرجال، ولا تدرك أن عليها لزوجها واجبات، فهى ليست مسئولة عن بيتٍ ولا مطبخٍ ولا أولاد؛ لأن هذا من عمل الخدَم والمربيات، أما هى فوظيفتها فى الصباح الطواف بحوانيت الزينة والثياب والذهاب إلى الخياطات، وفى الظهر استقبال زوجها بالطلبات، وفى العصر التعلُّق برقبته ليخرج بها إلى النزهة، أو يدعها تذهب إلى «زوزو» و«شوشو» و«موشو» للعب «البريدج» !

أظن مثل هذه المرأة توافقنى على أن الرجل المحترم المسئول هو آخر مَن يفكر فى قبول مثل هذه المرأة شريكًا يسير إلى جانبه فى طريق حياةٍ جديةٍ قد تكون عظيمة الأثر فى تاريخ بلاده! أما النوع الثانى من المرأة: فهو نوعٌ تخرَّج بنجاح فى المدارس والجامعات، فحذَق تقليد الرجل فى جهله بشئون البيت، ومعرفته بآراء أفلاطون وأبى العلاء، نوع من حائزات البكالوريات أو الدبلومات اللاتى قد يَصلحن للتدريس أو التوظيف، لكنهن لا يصلحن زوجات! 

نساءٌ يعرفن أفلاطون ولا يعرفن كيف تُقلَى بيضة، فإذا مَرِض الطباخ أو خرج تغذَّى الزوج المحترم بزبدة أفكار فلاطون!

 أما خريجات المدارس الإنجليزية ممن تعلَّمن قشور اللغة الأجنبية فإنهن عرائس جوفاء صُنعت فى حوانيت «المير دى ديو» أو «المدام دى سيمون»، لتوضع مع جهاز العُرس فى بيت زوجٍ مسكين، كُتب عليه أن يُنكَب بحمل هذه الدُّمية المتحركة الناطقة «بمون شير» و«ماشيري» من حيث أراد مُعِينًا يُعينه على حمل متاعب الحياة! وكلتا المرأتانِ لم تفهم مما تعلمته فى هذه المدارس المختلفة غير شيءٍ واحدٍ: حقها المطلق فى السيطرة على الرجل وإخضاعه وعدم طاعته، وجعله خادمًا لمطالبها، نازلًا على إرادتها، واعتبار أى حقٍّ له قبلها تأخرًا، يُقابل منها بالاحتجاج والازدراء، هذا حادثٌ فى مصر بالفعل الآن !

أما فى أوروبا، حيث عرفت المرأة كيف تصل إلى الاتزان المطلوب، فهاكُم ما تقوله زوجةٌ فاضلةٌ فى إحدى القصص الفرنسية: «منذ الأيام الأولى لزواجى، رسمتُ لنفسى خطَّ سيرٍ محددًا، أن أسمع وأعمل كل ما يريده زوجى، وجدت نفسى بذلك على خير حال؛ وذلك جعل زوجى يسمع ويعمل كل ما أريد، وهنا سِرُّ سعادتى»، فلتفعل الزوجة ما يُعجِب زوجها، ويفعل هو ما يُعجِبها! وأعتقد أن الزوجة الصالحة تستطيع مشاركة زوجها فى طريق الحياة، تُعينه وتُخفف عنه أعباء الحياة اليومية!

أثَّرت فى نفسى صورةٌ للمستر «تشرشل» يمشى بجوار زوجته فى أحد الطرق بما يدل على أن هذَين الزوجَين قطعَا معًا طريق الحياة بما فيه من هناءٍ وشقاء، وأثَّرت فى نفسى كلمة إهداء صدَّر بها أحد رجال السياسة فى فرنسا كتابًا له: «إلى زوجتى التى تشاركنى أيامى البيض وأيامى السُّود!» فإلى أن تَكثُر مثل هذه الشريكة، لن نجد بكثرة رجالًا عظامًا، يحتملون السير فى طريق الجهاد والمجد حتى النهاية. 
 من كتاب «تحت شمس الفكر»