حكايات| "قهوة فاروق"... حين تتوقف الذاكرة الملكية على "فنجان شاي بحري"

قهوة فاروق
قهوة فاروق


في أحد أزقة حي بحري بمدينة الإسكندرية، وبين رائحة الموج وعبق الماضي، تقف "قهوة فاروق" شاهدة على لحظة عابرة في تاريخ ملكي تحوّلت إلى ذاكرة حية محفورة على الجدران. 

ليست مجرد مقهى، بل متحف شعبي مفتوح يحمل ملامح فاروق الأول، آخر ملوك مصر، منذ أن توقّف موكبه الملكي أمامه عام 1938 ليشرب الشاي ويستريح من زخم التتويج، فكانت لحظة غيرت اسم المكان وتاريخه إلى الأبد.

** حكاية مقهى "فاروق" في بحري... ما بين الموج والتاج

في شارع جانبي يقابل البحر مباشرة بحي بحري بالإسكندرية، تقع واحدة من أقدم وأشهر المقاهي التاريخية: "قهوة فاروق"، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1928، وتحمل في طياتها قصة استثنائية عن زيارة ملكية تحولت إلى هوية ثابتة للمكان.

** من "كاليميرا" إلى "قهوة فاروق"

قبل أن تُعرف بهذا الاسم، كانت القهوة تُدعى "كاليميرا" أي "صباح الخير" باليونانية، وكانت مملوكة لسيدة يونانية تُدعى ماري بيانوتي. في عام 1938، وأثناء مرور موكب الملك فاروق في طريقه إلى قصر رأس التين لتتويجه ملكًا، توقفت السيدة ماري أمام باب المقهى وأشارت للملك ليدخل ضيفًا... فاستجاب.

دخل فاروق القهوة وجلس، وطلب "الشيشة" وكوب شاي مصري، ومنحه هذه الزيارة روحًا خالدة لا تزال تعيش في جدران المكان حتى اليوم.

** التاج فوق الباب... وتفاصيل ملكية خالدة

في اليوم التالي للزيارة، قامت المالكة ماري بتغيير ديكورات المقهى بالكامل، وطلبت تصنيع تيجان ملكية نحاسية من خان الخليلي في القاهرة خصيصًا لتثبيتها على أبواب المقهى الأربعة، بتكلفة ضخمة بالنسبة لتلك الفترة. وهكذا تحوّلت القهوة إلى "قهوة فاروق"، وارتبطت بذكرى ملك مصر في لحظة إنسانية بسيطة ومُلهمة.

** ملامح ملكية في كل زاوية

حرف "F" منقوش فوق كل نافذة، في إشارة إلى فاروق.

صور نادرة للملك وهو يشرب الشيشة أو يمتطي جواده.

أعمدة المقهى من الرخام النادر، ومصابيح من النحاس الأصفر.

مقعد مرتفع داخل المقهى، صُمم خصيصًا للملك، محاط بسور حديدي يشبه مقاعد "بنوار" السينما.

العاملون في المقهى يرتدون زيًا موحدًا مستمدًا من نظام الإدارة اليونانية، مع الالتزام الكامل بالمظهر والهندام.

** من مالك إلى آخر... والهوية محفوظة

بعد وفاة ماري بيانوتي، انتقلت ملكية المقهى إلى السيد كمال نصر، ثم إلى المستشار سيد همام عام 1977، قبل أن تنتقل إلى أبنائه. هؤلاء الأبناء ظلوا أوفياء لهوية المقهى، رافضين كافة العروض لبيع الرخام النادر أو تغيير طابعه التراثي.

حتى اليوم، يتم تلميع التيجان الملكية النحاسية المثبتة على الأبواب سنويًا على يد متخصصين في صيانة النحاس، كما احتفظ المالكون بـ"سبورة" قديمة لكتابة الأسعار.

** لماذا تستحق الزيارة؟

فرصة لرؤية مقهى لا يزال يحتفظ بطابعه الملكي الحقيقي.

تجربة فريدة تحتفظ برائحة الزمن وأصالة التصميم.

المكان مفتوح لعامة الناس، لكنك تشعر كأنك ضيف في قصر.

يمكن شرب شاي على ذات المقعد الذي جلس عليه الملك فاروق يومًا.

ماري بيانوتي اليونانية التي غيرت اسم مقهاها إلى «فاروق الملك»

"قهوة فاروق" ليست مجرد مكان لاحتساء المشروبات، بل لحظة متجمدة من تاريخ مصر الملكي، استطاعت أن تعبر من زمن فاروق إلى الحاضر، وهي لا تزال تنبض بالحياة، شاهدة على مشهد ملكي عابر صار خالدًا في وجدان الناس.
فيها يتصالح التاريخ مع البساطة، ويصبح فنجان شاي على البحر بوابة لعبق لا يموت.