فواصل

وساطة استثنائية!!

اسامة عجاج
اسامة عجاج


لعل الأيام القادمة، هى الأصعب فى مهمة الوساطة العمانية، التى يشرف عليها وزير الخارجية بدر البوسعيدى بصفة شخصية، وبتعليمات مباشرة من السلطان هيثم بن طارق، لاستئناف جولات التفاوض بين أمريكا وإيران، والتى بدأت فى الثانى عشر من أبريل الماضي، وتوقفت عند الجولة الخامسة فى روما فى ٢٥ مايو الماضي، فقد جرت تطورات كثيرة فى مجرى الأحداث، حيث بدأت إسرائيل هجوماً على إيران فى الثالث عشر من الشهر الماضي، تحت اسم (الأسد الصاعد)، قبل أيام قليلة من انعقاد الجولة السادسة، واستمر١٢ يوماً كاملاً، اختتمتها واشنطن بعملية (مطرقة منتصف الليل)، والتى استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية، والغريب أن ترامب هو من قطع الطريق أمام أى تصعيد خطير، ففى نفس الليلة، أعلن وقف العمليات وبدء الهدنة، بعد أن ردت طهران بعدد من الهجمات الصاروخية، وصل عددها إلى ٣٦، ونجحت خلالها فى النيل من تل أبيب، باستهداف العديد من المنشآت العسكرية والتى  تعرضت لقصف مباشر، مما كشف عن قدرات متقدمة للإيرانيين على اختراق نظام الدفاع الجوى الإسرائيلي، وخلال الفترة الماضية، كان من الصعب على كل الجهات، مجرد التفكير فى العودة إلى طاولة المفاوضات، سوى فى الأيام الأخيرة، عبر تنشيط الوساطة العمانية، والتى تقوم بدور مهم فى التوصل إلى أسس تلك العودة، على ضوء نتائج المواجهات العسكرية التى قد تكون خلقت واقعاً مختلفاً.

ولعلنا نتوقف عند قدرات الوسيط العماني، فى إحراز النجاح فى مهمته، فى التوصل إلى اتفاق فى واحد من الملفات الأكثر خطورة على أمن واستقرار المنطقة، والمتعلق بالملف النووى الإيراني، فالسلطنة ليست غريبة عنه بصفة عامة، أو عن هذا الملف بصفة خاصة، فهى أول من فتح الطريق عبر المباحثات السرية بين واشنطن وطهران، أمام التوصل إلى الاتفاق الذى وقعته عليه مجموعة خمسة زائد واحد فى عام ٢٠١٥، مع الإشارة هنا إلى الفروق الواضحة بين ما جرى فى ذلك الوقت، والجهد الأخير، فلم يعد الأمر توفير أجواء من السرية بين الطرفين، أو توفير مكان آمن، بل تجاوزه إلى الانخراط المباشر فيها، فالجولة الأولى على سبيل المثال تمت فى منزل الوزير بدر البوسعيدي، وحتى بعد نقلها إلى العاصمة الإيطالية روما، لم يحضرها أو يشارك فيها أى من المسئولين الإيطاليين، وتمت فى مبنى السفارة العمانية هناك، والعجيب أن السلطنة تحفظت على أن تقوم بنقل رسالة تهديدات أمريكية إلى طهران، والذى تم عن طريق الإمارات، وسلمها الدكتور أنور قرقاش مستشار الرئيس الإماراتى فى منتصف مارس الماضي، واللافت أن رد طهران كان عبر مسقط، والوساطة تجاوزت فكرة نقل الرسائل، إلى طرح أفكار لتجسير الفجوة بين الوفدين تمت مناقشتها، ويعود ذلك إلى قدرة السلطنة على خلق مناخ من الثقة والاحترام المتبادل، مستفيدة من علاقاتها البناءة والتاريخية مع الطرفين، والأسس التى بنت عليها الدبلوماسية العمانية، والملتزمة بمبدأ الحياد الإيجابي، والسعى إلى إحلال السلام، وتفادى المواجهة، وتهدئة التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة حول الملف النووى الإيراني.
وتتوافر مؤشرات عديدة على قرب عودة المفاوضات، ومنها ما قاله على لاريجانى مستشار المرشد الأعلى، الذى كشف عن دراسة بلاده لمقترحات بعودتها، وهو ما يتم التصريح به أيضاً من جانب إدارة ترامب، دون أن يمنع ذلك من  صعوبة الجولة القادمة، والتى تعانى من تبعات التصعيد العسكرى فى الأسابيع الماضية، مثلاً إيران لوحت فى الفترة الماضية، باتخاذ خطوات باتجاه إجراءات، ومنها الخروج من معاهدة منع انتشار السلاح النووي، وسط ضغوط من تيار المتشددين، رغم أنها حسمت ذلك الأمر على لسان وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي، الذى قال مؤخراً ليس لدينا أى نية لذلك، ولكنه أضاف: (حتى الآن)، مما يعنى أنه بديل مطروح إذا تمت مهاجمتها من جديد، كما أبدت مرونة فى العودة من جديد، مع شرط وحيد هو ضمان عدم لجوء واشنطن للقيام بهجمات عسكرية خلال المفاوضات، خاصة وأن الضربة تمت أثناء الاستعداد للجولة السادسة، ورفض شرط (تصفير تخصيب اليورانيوم)، وتعتبره من الحقوق، وكان هذا واضحاً فى تصريح على أكبر ولايتى مستشار المرشد الأعلى الذى قال: (التخصيب خط أحمر، وأى تفاوض يشترط وقفه، فلن ينعقد أصلاً، وتطرح بديلاً لذلك التفاوض حول مقترح إنشاء «كونسورسيم» إقليمي، تكون واشنطن جزءاً منه، مع عدم تجاهل حقوق إيران ومصالحها، وعلى الجانب الآخر فإن ترامب يميل إلى الحلول التفاوضية والاتفاقات، على عكس نتنياهو، الذى رفع من الشروط، ومنها البحث فى ملف القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو أمر مرفوض بكل المقاييس، التى تعتبرها جزءاً من دفاعها عن النفس، وساهمت بالفعل فى تخفيف آثار الهجمات الإسرائيلية، كما أن نتيناهو يخشى من التوصل إلى أى اتفاق، يسمح برفع العقوبات عن إيران، ووصل به الأمر إلى قيامه بإبلاغ  ترامب صراحة، إن إسرائيل ستقصف مجدداً، إذا استأنفت إيران نشاطاتها النووية، ولم يعترض الأخير، كما لا يخفى سعيه إلى إسقاط النطام برمته والبناء على ما تم إنجازه.   

وبعد، فالوسيط العمانى يسعى ويبذل كل الجهد فى إغلاق هذا الملف، والتوصل إلى اتفاق، ولكن الأمر يتعلق بتوافر الإرادة السياسية للأطراف الثلاثة.