في قلب الهرم الثالث على هضبة الجيزة، كان يرقد تابوت الملك "منكاورع" — أحد أبرز ملوك الأسرة الرابعة في مصر القديمة، وباني أصغر الأهرامات الثلاثة. لكن هذا التابوت الملكي، الذي صمد آلاف السنين داخل حجرة الدفن، لم ينجُ من أطماع المستعمرين في القرن التاسع عشر، حيث تحوّل من كنز أثري إلى غنيمة في رحلة تهريب مأساوية انتهت به في قاع البحر المتوسط.
قصة تابوت منكاورع ليست فقط واحدة من أشهر قضايا نهب الآثار المصرية، بل هي كذلك لغز تاريخي لم يُحل بعد، فقد اختفى التابوت داخل سفينة غامضة تدعى "بياتريس"، ولم يظهر له أثر حتى يومنا هذا.
فما تفاصيل هذه القصة؟ وكيف سُرق التابوت؟ وما حقيقة غرق السفينة؟ ولماذا توقفت محاولات استعادته؟ هذا ما يكشفه التقرير التالي.
◄ من هو منكاورع؟
الملك منكاورع هو أحد ملوك الأسرة الرابعة، اشتهر ببناء أصغر أهرامات الجيزة. عُرف عنه العدل والتقوى، واحتلت فترته مكانة مميزة بين فترات حكم الدولة القديمة.

في عام 1837، جاء إلى مصر الباحث الإنجليزي ريتشارد وليام هوارد فايس، الذي قام بحفريات في هرم منكاورع بعد نشاطه داخل الهرم الأكبر. وخلال أعماله، عثر فايس على حجرة الدفن وبداخلها تابوت ملكي من البازلت خالٍ من النقوش الهيروغليفية، لكنه مزخرف بشكل يُحاكي واجهة القصور الملكية.
◄ عملية إخراج التابوت وتشويهه
عانى فايس ومساعدوه من صعوبة إخراج التابوت بسبب ضيق ممرات الهرم، ما اضطرهم لتدمير أجزاء من الحجارة وإحداث أضرار جسيمة في التابوت أثناء نقله. وبالفعل، نجحوا في إخراجه بعد كسر غطائه، لتُعرض هذه القطعة الأثرية الهائلة للشمس لأول مرة منذ أكثر من أربعة آلاف عام.
اقرأ أيضا| إحياء روح الماضي في قلب الصعيد.. مقبرة الأخوين تعود للحياة!
نُقل التابوت بعد ذلك عبر نهر النيل إلى ميناء الإسكندرية، حيث تم تحميله على متن السفينة الإنجليزية الشراعية "بياتريس" يوم 20 سبتمبر 1838، متجهة إلى ميناء ليفربول بهدف إيداع التابوت في المتحف البريطاني.
◄ غرق السفينة "بياتريس"
خلال الرحلة، توقفت السفينة في مالطا ثم غادرتها يوم 13 أكتوبر. ويُعتقد أنها غرقت في عاصفة قبالة سواحل قرطاجنة الإسبانية، ولم يُعثر على حطامها منذ ذلك الوقت. تضاربت الروايات حول مكان غرق السفينة، بين من يرجّح وقوع الحادث قرب جبل طارق، أو السواحل الإيطالية، أو حتى قرب مالطا.
خلال أكثر من 180 عامًا، أُجريت محاولات متعددة للبحث عن السفينة الغارقة دون جدوى.

في 2008، أعلن الدكتور زاهي حواس عن خطة تعاون مع إسبانيا للاستعانة بأحدث المعدات والغواصات لاسترجاع التابوت، بمساعدة خبراء عالميين مثل فرانك جوديو وبوب بيلر، لكن المشروع لم يكتمل.
في 2013، أعلن الكاتب وعالم الآثار البحرية ديفيد جيبينز عن مشاركة فريق بقيادة جاك هوارد في عمليات غوص للبحث عن بياتريس، دون الإعلان عن نتائج واضحة.
◄ علامات استفهام غامضة
قصة التابوت وسفينة بياتريس تحيط بها العديد من الغرائب:
لم يُذكر التابوت في أي قائمة من قوائم الآثار التي أعدها فايس.
مالك السفينة نجا رغم الإشاعات عن غرق الطاقم بأكمله.
نظريات تشكك في وجود التابوت أصلاً، وتدّعي أن فايس اختلق القصة لتلميع إنجازاته.
البعض يزعم أن السفينة أُغرقت عمدًا لإخفاء سر كبير.
ثامناً: هل يُستعاد تابوت منكاورع يومًا؟
إذا كُشف الستار عن مكان غرق السفينة "بياتريس"، فإننا سنكون أمام أزمة قانونية معقدة:
التابوت مسروق من مصر بطريقة غير شرعية.
السفينة إنجليزية.
الغرق وقع غالبًا في المياه الإقليمية الإسبانية.
ذلك يفتح الباب أمام نزاع ثلاثي بين مصر وإنجلترا وإسبانيا حول ملكية التابوت.

تابوت منكاورع يظل أحد أغرب ألغاز التراث الإنساني الغارق في أعماق البحر. هو أكثر من مجرد قطعة أثرية، إنه رمز لما تعرضت له آثار مصر من نهب وتهريب تحت ذرائع "الاكتشاف" و"الحفظ". وما لم يُكشَف الغطاء عن حقيقة ما جرى، سيبقى تابوت منكاورع شاهدًا صامتًا على مرحلة سوداء من تاريخ الآثار، وحلمًا ينتظر أن يُبعث من الأعماق.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







