تعود إلى الحياة.. مدينة لم تعرفها الأقصر

اكتشاف أثري في الركن الجنوبي الشرقي لمعابد الكرنك
اكتشاف أثري في الركن الجنوبي الشرقي لمعابد الكرنك


في أرض طيبة الخالدة، حيث نسج الفراعنة ملامح أعظم حضارة عرفها التاريخ، لا تزال الرمال تخبئ أسرارًا تنتظر من يكشف عنها الستار، وبين صروح معابد الكرنك الشاهقة، وتحديدًا في ركنها الجنوبي الشرقي المهمل لقرون، أعادت بعثة مصرية فرنسية مشتركة إحياء جزء من ماضٍ مجيد مدفون.

 فقد تم العثور على مدينة متكاملة تعود إلى الدولة الوسطى، تظهر تفاصيل الحياة اليومية والتنظيم الاقتصادي والديني في قلب مجمع الكرنك، ما يشكل نقلة نوعية في فهمنا لهذا الموقع المقدس.

** أول الخيوط.. اكتشاف غيّر مسار الحفريات

في صباح يوم السبت 12 يوليو 2025، أعلن المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك (CFEETK) عن كشف أثري غير مسبوق في الجزء الجنوبي الشرقي من الكرنك، وهو ركن لم تطأه أدوات التنقيب الكلاسيكية منذ بدايات القرن العشرين. وقد جاء هذا الكشف ثمرة جهود بعثة أثرية مشتركة انطلقت منذ عام 2021، وجاءت النتائج لتفوق كل التوقعات.

تم العثور على مبنى ضخم مشيد بالطوب اللبن، يحتوي على أفران للطهي وأخرى لصناعة الخبز، إلى جانب مجموعة من الأواني الفخارية والأدوات التي تُستخدم في إعداد الطعام، مما يشير إلى أن الموقع كان منشأة إنتاجية واسعة النطاق.

** مدينة متكاملة من الدولة الوسطى

أظهرت الحفريات أن هذا الركن من معابد الكرنك يضم مستوطنة سكنية وخدمية تعود إلى عصر الدولة الوسطى (2050 - 1710 ق.م). كانت المدينة مأهولة بالسكان وتخدم الطقوس الدينية والأنشطة الإدارية الخاصة بالمعبد، وتمتعت بتخطيط مدني متقن، حيث تم اكتشاف:

* مخازن للحبوب والمواد الغذائية.

* أفران ضخمة لصناعة الخبز.

* أدوات زينة خاصة بالنساء.

* بقايا أقمشة وأدوات للغزل والنسيج.

ويبدو أن سكان هذه المنطقة كانوا يعملون بشكل مباشر في خدمة معابد الكرنك، مما يجعل من هذا الاكتشاف نقطة تحول في فهم الحياة اليومية للطبقات العاملة في مصر القديمة.

دورة حياة متكاملة: من الازدهار إلى الإهمال والعودة

تشير نتائج التحليل الطبقي إلى أن الموقع شهد عدة دورات من الاستخدام والهجر:

1- المرحلة الأولى: نشأت المستوطنة في الدولة الوسطى، وازدهرت لأكثر من قرن.

2- المرحلة الثانية: خلال نهاية الأسرة السابعة عشرة، تم هجر الموقع وتحول إلى مكب للنفايات.

3- المرحلة الثالثة: في عهد الدولة الحديثة، وتحديدًا عصر الأسرة الثامنة عشرة، أُعيد استخدام الموقع لإقامة مخازن ومنشآت جديدة فوق المكب القديم.

هذا التسلسل الزمني يعكس ديناميكية اجتماعية وإدارية نادرة، ويُعدّ نموذجًا حقيقيًا لدراسة التغيرات الحضارية في مصر القديمة.

** فخار أزرق ولغز أمنحتب الثالث

أحد أهم الاكتشافات داخل هذا الموقع تمثل في العثور على قطع فخارية صغيرة مزججة باللون الأزرق، تشبه بشكل دقيق أواني "نمست" الخاصة بالملك أمنحتب الثالث، المحفوظة في متحف اللوفر بباريس.

ويُعتقد أن هذه القطع كانت تُستخدم لأغراض طقسية أو تزيينية، وربما تدل على وجود ورش متخصصة في صناعة الأواني الفاخرة داخل الكرنك. هذا الربط المباشر بين الاكتشاف الجديد وأحد أعظم ملوك الدولة الحديثة يفتح آفاقًا جديدة لفهم طبيعة النشاط الفني والحرفي داخل المعابد.

** المباني المغطاة بالجص تطور معماري وإنساني

كشفت الحفريات عن مبانٍ مشيدة بالطوب اللبن، مغطاة بطبقة من الجص الأبيض، وهو ما يدل على اهتمام خاص بالنظافة والعزل الحراري، ويعكس تطورًا في المعمار السكني خلال تلك الفترة.

ولوحظ استخدام الجص في عدة مناطق داخل الموقع، ما يشير إلى وجود تصاميم محددة للمرافق العامة والخاصة، وهو ما يؤكد وجود إدارة مسئولة عن تخطيط المدينة الفرعونية.

** تحليل التربة وبصمة الحياة القديمة

قامت البعثة بجمع عينات من التربة لدراستها معمليًا، بهدف فهم طبيعة البيئة الزراعية في هذه المنطقة، وتحديد النباتات التي زُرعت قديمًا، بالإضافة إلى تحديد مصادر المياه القريبة.

النتائج المبدئية تشير إلى وجود أساليب ري قديمة متطورة، تُظهر مدى تقدم المصريين في إدارة مواردهم الطبيعية حتى داخل المجمعات الدينية الكبرى.

** الكرنك.. ما هو أبعد من العبادة

كان يُعتقد أن معابد الكرنك مجرد أماكن مقدسة للعبادة، لكن الكشف الأخير يُظهر أنها كانت أيضًا مراكز إدارية وإنتاجية، تحتوي على مستودعات، وأماكن لتخزين الطعام، ومرافق لخدمة الكهنة والعمال.

هذا المفهوم المتكامل يدفع الباحثين لإعادة التفكير في وظيفة المعابد الكبرى في مصر القديمة، باعتبارها مجتمعات مصغرة تنبض بالحياة والعمل والعبادة.

** الكرنك والمصادر التاريخية.. من جورج لاجران إلى البعثة الحديثة

رغم أن الباحث الفرنسي "جورج لاجران" قام بين عامي 1895 و1910 بحملات تنقيب كبيرة في الكرنك، إلا أن هذا الركن الجنوبي الشرقي لم يكن ضمن المناطق التي شملتها الحفريات، ما يضيف إلى أهمية الكشف الحالي، الذي تم بالتعاون مع المركز الفرنسي للكرنك.

هذا التأخير التاريخي في اكتشاف الموقع ربما كان لصالح الباحثين اليوم، إذ أتاح استخدام تقنيات علمية حديثة في التوثيق والتحليل، مثل التصوير ثلاثي الأبعاد وتحليل الكربون المشع، ما أدى إلى نتائج أكثر دقة وشمولًا.

** دور النساء في المدينة المكتشفة

إحدى المفاجآت في الموقع تمثلت في العثور على أدوات تجميل، مثل المرايا، وقوارير العطور، وأمشاط مصنوعة من العاج، ما يشير إلى أن النساء لم يكنّ مجرد جزء من الحياة المنزلية، بل ربما شاركن أيضًا في النشاط الاقتصادي والحرفي داخل المدينة.

هذا الاكتشاف يفتح مجالًا جديدًا لدراسة الدور الاجتماعي والاقتصادي للمرأة في مصر القديمة، خاصة في المجتمعات المرتبطة بالمؤسسات الدينية.

** مستقبل البحث والآفاق القادمة

تعمل البعثة حاليًا على توسيع نطاق الحفريات للوصول إلى أطراف المستوطنة بالكامل، كما تخطط لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للمدينة باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، ليتم عرضه داخل مركز زوار الكرنك في المستقبل.

ويتم أيضًا التعاون مع معهد الآثار الألماني وجامعات أوروبية لتحليل الحبوب والمخلفات الحيوانية، بهدف فهم تفاصيل النظام الغذائي للسكان.

** مصادر تمويل ودعم مجتمعي

تحظى البعثة بدعم من وزارة السياحة والآثار المصرية، ومؤسسة المعاهد الفرنسية للآثار، إلى جانب تبرعات من هيئات ثقافية وأكاديمية دولية، مما يساعد على استمرار العمل وفتح المجال أمام مشاركة طلاب مصريين في برامج تدريب ميدانية.

** الكرنك.. حكاية لا تنتهي

هذا الكشف الأثري هو تذكير دائم بأن أرض مصر لم تبح بكل أسرارها بعد. فمع كل موسم حفر، تنبعث حياة جديدة من بين حبات الرمل، لتروي قصة جديدة عن حضارة نادرة تفوقت في كل شيء من المعمار والدين إلى الاقتصاد والإدارة والحياة اليومية.

وها هو الركن الجنوبي الشرقي من الكرنك يتحول من زاوية منسية إلى مركز علمي نابض، يُعيد كتابة التاريخ من جديد، ويُعيد للذاكرة الإنسانية مشاهد من الحياة التي عاشها المصريون القدماء أولئك الذين ما زالوا يعلموننا كيف تُصنع الحضارات.