الورق لا يموت

الصحف المطبوعة ذاكرة للأمة

أحمد باشا
أحمد باشا


فى أحد لقاءاتى مع مسئول سياسى غربى رفيع المستوى، كان مما لفت نظرى – بل وأدهشنى – اهتمامه اللافت بالصحف الورقية، على الرغم من انتمائه إلى دولة تُعد من رواد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتملك بنية تحتية رقمية تُغرى بأن تكون “الإلكترونية” فيها هى كل شىء.

سألته مباشرة: ما الذى يدفع سياسى مثله، فى هذا العصر، إلى متابعة الصحف الورقية؟

جاء رده حاسمًا: “لا يمكن أن أبنى موقفًا سياسيًا، أو أضع تقدير موقف لقضية فى أى بلد حول العالم، دون الرجوع إلى الصحف الورقية المطبوعة، فهى تمثل وثيقة نهائية، غير قابلة للتعديل أو التغيير، على عكس ما يُنشر على المواقع الإلكترونية، الذى قد يُعدَّل أو يُحذف فى أى لحظة”.

لم تكن هذه الإجابة مجرد رأى فردى، فقد تكررت بصيغ مختلفة خلال زياراتى إلى عدد من كبريات الصحف العالمية، من بينها نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ولوفيحارو، حيث لا يزال الورق يحتفظ بمكانته الأصلية، لا بوصفه فقط وسيلة إعلام، بل باعتباره أرشيفًا تاريخيًا، وذاكرة مطبوعة للأمة.

الصحافة الورقية لم تنتهِ، ولن تنتهى.

قد تتراجع معدلات توزيعها، وتتقلص مساحتها فى السوق، لكنها لا تندثر، لأنها ببساطة تقوم بوظيفة لا يمكن أن يقوم بها غيرها: التوثيق الصلب، الحقيقى، الذى يُبنى عليه الرأى، وتُستقى منه التحليلات، وتعود إليه أجهزة المعلومات، والدبلوماسيون، والباحثون، وصانعو القرار.

ما يجهله البعض، أن السفارات، وأجهزة الاستخبارات، ووحدات الرصد والتحليل السياسى حول العالم، تسعى يوميًا للحصول على النسخ الورقية الكاملة من الصحف الأساسية فى كل بلد، لأنها المصدر غير القابل للتحوير.

الورق يُقرأ ويُؤرشف، أما الإلكترونى فمهما كان تفاعليًا أو فوريًا، فهو مُتغير بطبيعته، وقابل للإخفاء أو التعديل أو الحذف.
● ● ● 

لقد انخدع كثيرون ببريق السرعة الرقمية، وظنوا أن التفاعل اللحظى والتحديث الفورى يعوضان عن القيمة الجوهرية التى تمثلها الصحف الورقية، غير أن الفرق بينهما كالفرق بين المسودة والوثيقة، بين العابر والدائم، ما يُنشر على الشاشات قد يجذب العين، لكنه لا يرسخ فى الذاكرة، أما ما يُطبع على الورق فله أثر باقٍ، تُحتفظ به الصحف والمكتبات والمراكز البحثية، ويُعاد إليه بعد سنين ليُقرأ بمنظور جديد.

وفى هذا السياق، يجب أن ننتبه إلى ما هو أخطر من الانكماش الورقى، وهو اختفاء تقاليد التحرير العميق الذى ارتبط تاريخيًا بالصحافة المطبوعة، كانت الجريدة اليومية تُبنى على جلسات تحرير صارمة، تقرأ الواقع وتقدّره وتُحلله قبل النشر، أما الصحافة الرقمية فى كثير من تجلياتها، فقد فتحت الباب لسيولة مفرطة فى التناول، وسطحية فى المعالجة، وميل إلى الجرى وراء التريند، لهذا، فإن الدفاع عن الورقى ليس فقط دفاعًا عن وسيط، بل عن مدرسة تحريرية كاملة تستحق البقاء والتطوير.

فى مصر، نحن نملك كنزًا استراتيجيًا غير مُستغل حتى الآن كما ينبغى، المؤسسات الصحفية القومية، وعلى رأسها الأهرام والأخبار ودار الهلال وروزاليوسف وغيرها، تملك أرشيفًا مطبوعًا ومصورًا لوقائع أكثر من مائة عام من تاريخ مصر والمنطقة والعالم، هذا الأرشيف هو ذاكرة الأمة كما لم تحفظها أى مؤسسة أخرى، وهو جزء جوهرى من قوة مصر الناعمة التى يجب أن يُعاد استثمارها، لا أن تُهمَّش، وهى نقطة قوة لا يُستهان بها، تتمتع بها الصحف القومية وتجعلها أمينة على تاريخ الأمة، وحافظًا لذاكرتها، وتحمل رصيدًا لدى القُراء.

● ● ● 

نعم، الصحافة الورقية تُواجه تحديات حقيقية.

المنافسة الإلكترونية، تغيّر أنماط القراءة، تراجع عوائد الإعلانات، قضايا التوزيع والطباعة، وضعف المحتوى أحيانًا، كلها مسائل حقيقية لا يمكن إنكارها، لكن الحل ليس فى إعلان وفاتها، بل فى تطويرها، وإعادة تقديمها، وتجديد أدواتها، دون التفريط فى جوهرها كذاكرة صلبة وحافظة للوعى الجمعى.

المستقبل لن يكون إما/أو.

بل سيكون مزيجًا ذكيًا بين المطبوع والرقمى، بين ما يُحفظ فى الأرشيف وما يُنشر فى التطبيق.

لكن الثابت، أن مَن لا يملك “ورقًا” مُوثقًا لا يملك تاريخًا حقيقيًا، ولا ذاكرة يُحتكم إليها فى اللحظات الفارقة.

الصحافة الورقية ليست ماضينا فقط، بل هى عماد المستقبل لمَن يُحسِّن توظيفها.