من واشنطن إلى لندن.. تقرير ينتقد تغوّل البنوك المركزية وتجاوزها حدود دورها الاقتصادي

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


حذر تقرير غربي نشرته صحيفة «التلجراف» البريطانية، من أن البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تجاوزت دورها الاقتصادي لتصبح أحد مراكز النفوذ السياسي غير الخاضعة للمساءلة في الديمقراطيات الحديثة، مشبهًا دورها بما وصفه بـ«حكومة ظل».

يرى التقرير أن الدستور الأمريكي، لم يمنح بنك الاحتياطي الفيدرالي الحق في العمل كجهاز مستقل عن السلطة التنفيذية، ولا يخول له التمتع بصلاحيات مطلقة في رسم السياسة المالية، كما لا تتوافق هذه الصلاحيات مع المفهوم الديمقراطي الخاضع للمساءلة.

ترامب وباول.. صراع مفتوح حول «من يقود الاقتصاد؟»

في خضم ولايته، شن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب هجومًا لفظيًا شرسًا على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، واصفًا إياه بأنه "شخص غبي للغاية.. فظيع.. أحمق تمامًا"، بحسب تعبيره.

وأشار التقرير، إلى أن ترامب، رغم أسلوبه المثير للجدل، كان على حق جزئيًا في التشكيك في نفوذ التكنوقراط غير المنتخبين الذين يديرون السياسة النقدية.


من أمريكا إلى بريطانيا.. سلطة بلا مساءلة

ركّز التقرير على ما أسماه "تغول البنوك المركزية في الديمقراطيات الغربية"، ويستشهد بكتاب "السلطة غير المنتخبة" لنائب محافظ بنك إنجلترا الأسبق، السير بول تاكر، الذي أكد فيه أن البنوك المركزية تحولت إلى "الركيزة الثالثة للسلطة غير المنتخبة"، إلى جانب القضاء والبيروقراطيات الكبرى، ولكن دون أي رقابة مؤسسية فعلية.

وأكد التقرير، أن بعض أدوات السياسة النقدية مثل الفائدة الصفرية والتيسير الكمي، والتي كان لها ما يبررها في أوقات الأزمات، تحولت إلى توجهات دائمة، مما أدى إلى نقل الثروات من العمال إلى أصحاب رؤوس الأموال، وأصبحت البنوك المركزية ـــ من دون قصد ـــ أدوات لتعزيز التفاوت الطبقي واللامساواة.

أمريكا في فخ الديون.. والاحتياطي الفيدرالي «شريك غير معلن»

في أوروبا، يشير التقرير إلى دور البنك المركزي الأوروبي في التسبب بأزمات كبرى خلال العقد الماضي، مثل أزمة ديون اليونان وإيطاليا، متهمًا المؤسسة باستخدام أدوات ضغط مالي لإسقاط حكومات منتخبة وإجبار دول على تعديل قوانينها الاقتصادية والدستورية، كما حدث في إسبانيا عام 2011.

وأشار التقرير، إلى أن صافي الدين العام الأمريكي، ارتفع من 54% من الناتج المحلي الإجمالي مطلع الألفية إلى أكثر من 121% اليوم، ويتجه نحو 140%، وهو ما يجعل الولايات المتحدة على حافة خرق ما تُعرف بـ«قاعدة نيل فيرجسون»، التي تعتبر أن أي دولة عظمي تدخل مرحلة الانحدار حين تتجاوز تكاليف خدمة الدين نفقات الدفاع.

اقرأ أيضًا: معركة استقطاب المليارديرات.. الليبرتاريون يتنافسون مع «نو ليبلز» لكسب ماسك 


«مشروع ترامب» لإخضاع الاحتياطي الفيدرالي

كشف التقرير عن خطة غير مُعلنة أعدها فريق ترامب قبل الانتخابات الأمريكية الماضية، تضم خطوات "جذرية" لإعادة تشكيل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمربكي، من خلال تعيين "رئيس ظل" وتطهير المجلس تدريجيًا، مع إمكانية إقالة جيروم باول قبل انتهاء ولايته في 2026.

وأثارت تصريحات ترامب حول إقالة جيروم باول، موجة من الارتباك في الأسواق الأمريكية، حيث قفزت عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، ما رفع تكلفة الاقتراض العقاري وديون الشركات. 

ورغم هدوء الأسواق مُؤخرًا، إلا أن التقرير يحذّر من أن هذا الهدوء قد يسبق عاصفة تضخمية إذا تم الضغط على الفيدرالي لتوسيع السياسة النقدية بشكل غير عقلاني.

ويذكر التقرير، أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لم يكن مستقلًا دائمًا، بل كان في بداياته خاضعًا لوزارة الخزانة الأمريكية، وأن العديد من الرؤساء ـــ مثل هاري ترومان ورونالد ريجان ـــ مارسوا ضغوطًا مباشرة على المحافظين لتعديل أسعار الفائدة بما يخدم التوازن السياسي أو الانتخابي.


هل تقود البنوك المركزية العالم نحو أزمة؟

وفقًا للتقرير، يُطرح تساؤل مفتوح حول ما إذا كانت البنوك المركزية في الغرب ـــ سواء في واشنطن أو لندن أو بروكسل ـــ قد تحوّلت إلى قوة غير خاضعة للمساءلة تهدد النظام الديمقراطي، لا سيما حين تصبح مسؤولة عن قرارات تؤثر على الثروة، والضرائب، والديون، ومستقبل الأجيال.

ففي قلب الديمقراطيات الغربية، بدأت تتصاعد أصوات ناقدة لدور البنوك المركزية، التي يرى البعض أنها أصبحت أقرب إلى سلطات مستقلة «غير منتخبة»، تُمارس نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا يفتقر إلى الشفافية، ويضعف دور الحكومات المنتخبة في إدارة الدولة.