فى اللحظة التى قرر فيها الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى استقبال المشير خليفة حفتر فى العلمين، لم يكن الحدث مجرد لقاء سياسى بين حليفين تقليديين، بل لحظة مفصلية تعيد طرح موقع مصر من الملف الليبى بوصفه ملف أمن قومى مباشر، لا مجرد ساحة تدخلات خارجية فالمشهد لم يكن بروتوكوليًا، بل مشهدًا مركبًا: جهاز المخابرات، وقيادة الجيش، وملف المرتزقة، ورؤية اقتصادية صلبة، كلها حضرت حول الطاولة، لتؤكد أن القاهرة لا تعود فقط إلى ليبيا، بل تعود لتُعيد تعريف أن السيادة تبدأ من حدود سرت.
منذ 2019، وُصفت مصر بأنها «الضامن الصامت» فى المعادلة الليبية، تلعب دور الوسيط حينًا، والمراقب حينًا آخر لكن هذا اللقاء الأخير، فى توقيته وهيكله ومضمونه، يعكس خروجًا متعمدًا من حالة الترقب إلى حالة الإمساك الفعلى بالمفاتيح لا يخفى على أحد أن اللقاء يعيد ترتيب مشهد الحدود، ويبعث برسالة صارمة للفاعلين الإقليميين مفادها: شرق ليبيا ليس ساحة مفتوحة.
التوصيف الدقيق لهذا اللقاء هو أنه نقطة ارتكاز جديدة تُنهى مرحلة «المناورة عبر الآخرين»، وتبدأ مرحلة «صناعة التوازن من الداخل» فمصر تدرك أن الفراغ الحالي، الناجم عن تشظى الحكومات الليبية، وضعف الدعم الأممي، وغياب المشروع العربى الموحّد، قد أغرى قوى إقليمية بتوسيع رقعة نفوذهم عبر شبكات المرتزقة أو السيطرة على مراكز النفط لكن القاهرة تتحرك لتضع حدودًا لهذا التوسع، لا بالشعارات، بل بالتنسيق الاستخباراتى والميدانى المباشر.
تصريحات السيسى وحفتر حول ضرورة «انسحاب كل القوات الأجنبية والمرتزقة» ليست مجرد بيان دبلوماسى فمصر تدرك أن تفكيك البنية القتالية الهجينة فى ليبيا - من فاغنر شرقًا إلى الفصائل المدعومة من أطراف خارجية غربًا - هو الشرط الأول لإنتاج مرحلة سياسية جديدة قابلة للحياة.. لكن ما يهم فى هذا السياق ليس فقط الهدف المُعلن، بل الأدوات التى بدأت تتشكل التنسيق الأمني، يشير إلى بناء منظومة سيطرة حدودية مصرية - ليبية مشتركة، قد تفضى إلى نشر وحدات مختلطة تتولى رصد عمليات التهريب، وتفكيك معابر السلاح، ورصد تحركات العناصر الأجنبية.
الحديث عن انسحاب المرتزقة لم يعد خطابًا انتخابيًا داخليًا، بل محاولة مصرية لتجريد الخصوم من أدوات الضغط على المشهد السياسى الليبى المقبل فإن تحقق الانسحاب فعليًا، فسيعنى ذلك نهاية النفوذ العسكرى غير الرسمى لعدد من القوى الإقليمية داخل ليبيا، وهو ما سيعزز من دور القاهرة كراسم رئيسى لخارطة ما بعد الحرب.
أحد أهم ما ميّز الخطاب المصرى خلال اللقاء لم يكن أمنيًا فقط، بل تنمويًا كذلك فقد طُرحت للمرة الأولى ملامح خطة لإشراك شركات مصرية فى مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية وهذا التحول يعنى أن القاهرة لا تكتفى بتحقيق الأمن على الحدود، بل تسعى للبناء والتنمية وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات.
لقاء العلمين لم يكن موجهًا فقط إلى الداخل الليبي، بل إلى اللاعبين الدوليين والإقليميين رسالة القاهرة واضحة : لسنا خارج المعادلة، بل فى مركزها.
هى تقول عمليًا: لن تكتمل أية تسوية سياسية ما لم تمرّ عبر البوابة المصرية فمصر تملك الجغرافيا، والعلاقات مع الأطراف، والقدرة على تثبيت الأرض وإن أراد الغرب انتخابات مستقرة، أو أرادت موسكو استمرار مصالحها، أو أرادت أنقرة إعادة تكييف حضورها، فذلك لن يتم إلا برضا القاهرة، وبما لا يتعارض مع أولوياتها الأمنية والتنموية.
لقاء السيسي- حفتر ليس لحظة عابرة، بل محطة استراتيجية تعلن أن مصر عادت إلى طاولة إعادة تشكيل ليبيا لا كلاعب طارئ، بل كقوة تملك الأرض والعلاقات والمشروع ما تطرحه القاهرة اليوم ليس مجرد انسحاب للمرتزقة أو تنسيق أمني، بل صياغة نموذج متكامل للنفوذ، يستند إلى الحدود والسيادة، ويعتمد على التنمية كضمانة لاستقرار طويل الأجل.
لكن التحدى الحقيقى لن يكون فى ما تقوله القاهرة، بل فى قدرتها على تحويل هذا الزخم إلى تحالفات داخلية فى ليبيا قادرة على الصمود، وعلى توظيف الورقة الأمنية دون السقوط فى فخ إدارة الصراع بدل حله فهل تنجح القاهرة فى صناعة سلام يحمل توقيعها وحدها، أم أن تعدد اللاعبين سيُعيد إنتاج الفوضى بحلّة جديدة؟.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







