حكايات| "عاشوراء في مصر القديمة" من طقوس الشكر إلى طبق البركة

عاشوراء في مصر القديمة
عاشوراء في مصر القديمة


رغم أن يوم "عاشوراء" يُعرف اليوم في الوجدان الشعبي كاحتفال إسلامي، ارتبط بصيام اليوم العاشر من المحرم وطبق العاشوراء الشهير، إلا أن ملامح هذا الاحتفال، وخصوصًا مظاهره الشعبية في مصر، تحمل أصداء أقدم تعود لعصور الفراعنة.

في مصر القديمة، كان يومًا مشابهًا من حيث الرمزية والطقوس، إذ اجتمع المصريون حول القمح والحبوب المطهية في احتفالات ترتبط بالشكر، والنجاة، وإعادة البعث… فهل كان للفراعنة عاشوراؤهم الخاصة؟

 الاحتفال بالحياة والخصب عند المصريين القدماء

كان المصري القديم يُقدّس مواسم الحصاد، ويرتبط عنده القمح والشعير بمفاهيم الحياة والخلود والبعث. فقد اعتبر القمح رمزًا للبقاء، وكان يُستخدم في الشعائر الجنائزية لتجسيد الأمل في "بعث الروح" بعد الموت، تمامًا كما تُزرع الحبة في التراب فتموت ثم تُبعث سنبلة.

وفي العديد من الرسومات الفرعونية، نجد مشاهد احتفالات دينية تُقدَّم فيها أوانٍ من الحبوب المطهية، أو طعام مُحلى مصنوع من القمح واللبن والعسل، ما يُشبه إلى حد بعيد طبق "العاشوراء" المتوارث في مصر الحديثة.

 ربط طبق العاشوراء بالطقوس المصرية القديمة

المؤرخون والباحثون في التراث الشعبي، ومنهم الدكتور عبد الرحيم ريحان (خبير الآثار)، يشيرون إلى أن المصريين القدماء كانوا يُعدّون طعامًا خاصًا من القمح واللبن والعسل في أوقات الاحتفالات الدينية، ومنها أعياد مثل "أوزير" إله البعث، حيث يقدَّم الطعام كقرابين.

وكانت تلك الأطباق تُقدَّم للأسر، وللفقراء، في طقس يحمل أبعادًا روحانية واجتماعية، تشبه بشكل واضح ما يُعرف اليوم بطبق العاشوراء، الذي يُطهى ويوزّع في بعض البيوت والأحياء خلال يوم عاشوراء.

** أوجه التشابه بين عاشوراء اليوم ومراسم مصر القديمة

1. الرمزية:

العاشوراء في العصر الإسلامي مرتبطة بالنجاة (نجاة موسى عليه السلام)، ومصر القديمة كانت تعتبر القمح طعام النجاة من المجاعة و"التحوّل للحياة الأبدية".

2. الطبق نفسه:

القمح المطهو باللبن والعسل/السكر كان موجودًا في مصر القديمة، وهو نفسه مكوّن طبق العاشوراء حاليًا.

3. المعنى الجمعي:

كانت الاحتفالات تتم بمشاركة شعبية جماعية في المعابد والحقول، تمامًا كما تُقدَّم العاشوراء اليوم على نطاق واسع في البيوت والمساجد.

الطقس القديم بين الدين والحياة اليومية

المصري القديم لم يكن يفصل بين الدين والحياة اليومية، فطقوس الطهي والاحتفال لم تكن مجرد عادات، بل رموز مقدّسة. وقد استخدم القمح كمادة لها بُعد روحي، فكان يوضع حتى في مقابر الموتى كطعام لحياتهم الأبدية في العالم الآخر.

لذا، فالعاشوراء بطبقها البسيط، وحكايتها الشعبية، ما هي إلا امتداد طويل لذاكرة حضارية بدأت من المعابد الفرعونية، مرورًا بالحقب القبطية، وحتى العصر الإسلامي، وصولًا إلى مطابخ البيوت المصرية اليوم.

"عاشوراء" ليست فقط طقسًا دينيًا مرتبطًا بيوم العاشر من المحرم، بل في مصر، هي خيط طويل من الموروثات التاريخية والروحية، تعود جذوره إلى حضارة قدّست القمح، واحتفت بالنجاة، وآمنت بأن الغذاء قد يحمل معه رسالة حياة وامتنان.

ففي كل وعاء من العاشوراء اليوم، طيفٌ من تاريخ مصر… من معابد الأقصر، إلى مساجد القاهرة، إلى مطابخ البيوت العامرة بالخير والكرم.